| 1 | خطبة الهندي الأحمر الأخيرة من خطبة "سياتل"زعيم هنود "دواميش" وتعرف بـ "خطبة الهندي الأحمر" وقد ألقاها في شعبه سنة 1854 في حفل استسلامي تاريخي لإبرام المعاهدة التي أجبر فيها على تسليم بلاده
|
--- "زعيم واشنطن الكبير" يقول لي،في رسالته، أنه يريد أن يشتري بلادنا.ويقول لي أنه صديقي،وأنه يكنً لي مودة عميقة. ما ألطف زعيم واشنطن الكبير،ولا سيما أنه في غنى عني وعن صداقتي! لكننا سننظر في ما يعرضه زعيم واشنطن الكبير،فنحن نعرف أننا إذا لم نبعه بلادنا فسوف يجئنا الرجل الأبيض مدججا بسلاحه وينتزعها. كيف نستطيع أن نبيع أو نشتري السماء ودفء الأرض؟ ما أغرب هذه الأفكار!!! كيف نبيع طلاقة الهواء؟كيف نبيع حباب الماء ونحن لا نملكها ؟ كل شبر من تراب هذه البلاد مقدس عند شعبي.كل خيط من ورق الصنوبر،كل شاطئ رملي،كل مدى من الضباب في غياهب الإحراج،كل حشرة تمتص ما تمتص أو تطنّ؛كله مقدس في ذاكرة شعبي وتجربته مع الحياة.
النسغ الذي يسيل في الأشجار يجري بذكريات الإنسان الأحمر.موتى الإنسان الأبيض ينسون مهدهم عندما يمشون بين النجوم. أما موتانا فأبداً لا ينسون الأرض الطيبة لأنها أم الإنسان الأحمر.نحن منها،وهي منا.
الأزهار العاطرة أخواتنا.الغزال والحصان والنسر العظيم كلهم إخوتنا.القمم الصخرية.ندى المروج.ودفء جسد الحصان،كلهم من هذه،الأسرة الواحدة. إذن فحين يقول زعيم واشنطن الكبير أنه يريد أن يشتري بلادنا،إنما يسألنا ما لا يطاق.
زعيم واشنطن الكبير،يقول في رسالته أنه يريد أن يشتري بلادنا،وأنه سيهبنا مطرحاً يلمّنا، نعيش فيه سعداء وأنه سيكون لنا أبا وأننا سنكون أبناء له، لذا سننظر في ما يعرضه زعيم واشنطن الكبير حول شراء بلدنا،علما بأنه عرض لا يطاق،لأن أرضنا مقدسة.
هذه المياه التي تشع وهي تجري في السواقي والأنهار ليست مياها، أنها دماء أجدادنا. وإذا قررنا أن نبيعك بلادنا فاذكر أنها مقدسة. وقل لأبنائك أنها مقدسة.كل طيف يتراءى في صفاء مياه البحيرات ينبئك عن ذكريات شعبنا وتاريخه. وما تهمس به المياه هو صوت جدي. هذه الأنهار اخوتنا. أنها تطفئ ظمأنا، وتحمل مراكبنا، وتطعم أطفالنا. وإذا قررنا أن نبيعك بلادنا فاذكر وعلّم أبناءك أن هذه الأنهار إخوتنا وعليك أن تحبها كما تحب من ولدته أمك.
ينهزم الإنسان الأحمر أمام زحف الإنسان الأبيض مثلما ينقشع ضباب الجبال أمام شمس الصباح. لكننا نرى رماد آبائنا مقدساً، وقبورهم بقيعا مقدساً. وهكذا نرى الهضاب والأشجار. ونعتبر هذه البلاد قسمتنا. ونعرف أن الرجل الأبيض لا يفهمنا. تستوي هذه الأرض عنده والأرض المجاورة. لأنه الغريب الذي تسلل في ظلمات الليل فنال من هذه الأرض كل ما تمنى. إنه لا يرى الأرض أختاً له بل عدوا يقهره ثم يمضي. ها هو يهجر قبر أبيه ولا يعبأ، ويتركه وراء ظهره ولا يعبأ. إنه يسرق الأرض من أبنائها ولا يعبأ. هذه قبور آبائه ومهاد أبنائه منسية. وها هو ينظر إلى أمه السماء فلا يراها إلاّ سلعة تسرق أو تباع كالأغنام والخرز. أن جشعه يلتهم الأرض فلا يغادرها ألا صحراء ....
"لا يترك هذا الرجل الأبيض حيث يحل ويرحل شبرا من ارض دون ضجيج. لم يبقى لديه مكان لسماع حفيف الأوراق وتفتحها في الربيع، أو لسماع طنين أجنحة الحشرات. ولكن لربما أنني متوحش،لا افهم أن الضوضاء تصم الأذنين. وما يتبقى للحياة حين يعجز الإنسان عن سماع صرخة طائر السبد، أو يصغي في أعماق الليل لنقاش الضفادع حول البركة. لكن لربما أنني إنسان احمر، لا افهم.
"الهواء عند الإنسان الأحمر ثمين، فكل ما على الأرض يتنفس منه. الحيوانات والأشجار والبشر كلهم يتنفسون من نفس واحد أما الإنسان الأبيض فيبدو انه لا يعرف أنه يتنفس، وكأنه رجل مات منذ أيام. كل ما فيه بليد حتى النتانه. ولكن إذا قررنا أن نبيعك بلادنا فاذكر أن الهواء ثمين عندنا، وأن روح الهواء تتغلغل في كل من يتنفس منه. أن الريح التي وهبت جدنا الأكبر أول شهيق هي التي استردت منه زفيره الأخير. أن على هذه الريح أن تمنح أبنائنا روح الحياة. فإذا بعناك بلادنا فاجعلها حراماً، وقدّسها كأنها مقام يحج إليه الرجل الأبيض ويتذوق فيه الريح المحلاّة بأزهار المروج.
وإذن، فسننظر في عرض شرائك بلادنا، وسيكون لنا شرط واحد إذا قبلنا ببيعها: أن يعامل الرجل الأبيض حيوانات الأرض كما يعامل أخواته. لربما أنني متوحش ولا أفهم. لكني شاهدت ألف جاموس منتن في البراري قتلها الرجل الأبيض من قطار عابر. لعلّي متوحش ولا أفهم كيف أن هذا الحصان الحديدي المدخن أعظم في عينيه من الجاموس الذي لا نقتلها إلا لكي نبقى على قيد الحياة.
ما الإنسان بدون هذه الحيوانات؟ إذا انقرضت فسوف يموت من توحش روحه. ما يصيب الحيوانات سرعان ما يصيب البشر. فكل الأشياء متمارجة. لابد ان تعلّم أبنائك أن أديم الأرض تحت أقدامهم من رفات أجدادنا. بذلك يحترمون الأرض.علمهم ما علمنا أولادنا أن هذه الأرض أمنا، وان المكروه الذي يصيبها سوف يصيب أبناء الأرض. إذا بصق إنسان على الأرض فإنما يبصق على نفسه.
هذا ما نعلّم، أن الأرض لا تعود إلى إنسان، بل هو الإنسان يعود إلى الأرض. هذا ما نعلّم: كل الأشياء متمارجة كما الدم الذي يوحد العائلة. كل الأشياء متمارجة. ما يصيب الأرض سوف يصيب أبناء الأرض. الإنسان لا ينسج عنكبوت الحياة بل هو خيط في هذا النسيج. وما يفعله للنسيج يفعله بنفسه.
لكننا سننظر في عرضك أن نذهب إلى المطرح المخصص لشعبي لنعيش وحدنا بسلام. لم يعد يهم أين نمضي بقية حياتنا. إنها أيام معدودة، بضع ساعات إضافية، بعض شتاءات ...ثم لن يكون هناك أطفال من هذه الشعوب العظيمة التي عاشت يوما على هذه الأرض، وهاهي ذي شراذم ضئيلة تتسكع في أعماق الأدغال. لن يكون هناك أطفال يبكون على قبور بشر كانوا ذات يوم مثلكم أقوياء طافحين بالآمال. ولكن لماذا أبكي زوال شعبي؟ إن القبائل لا يصنعها إلا الرجال. أما الرجال فيجيئون ويرحلون مثل أمواج البحر. حتى أنت أيها الرجل الأبيض الذي تمشي مع ربك وتحاكيه صديقاً لصديق لن تنجو من هذا المصير. ولعلنا _في النهاية _إخوة وسوف نرى. أ اعلم شيئاً واحداً قد يكتشفه الرجل الأبيض يوماً. أعلم أن إلهي وإلهه واحد. إنكم تعتقدون أنكم تملكون هذا الإله مثلما إنكم تريدون أن تملكوا أرضنا. إنه إله الإنسان وقد وسعت رحمته الإنسان الأحمر والإنسان الأبيض. إن هذه الأرض غالية عنده. وان إيذاء الأرض لابد أن يثير غضب خالقها. لسوف تمضي أنت أيضا أيها الإنسان الأبيض. وربما ستمضي قبل غيرك. هيا أمعن في تلويث فراشك ولسوف تختنق يوما في قمامتك.
لكنك _ ولحكمة لا يعرفها إلا الإله الذي جاء بك إلى هذه البلاد_ أعطاك سلطانا على الأرض وعلى الإنسان الأحمر. إن هذا المصير ما يزال لغزاً عندنا.
أين الأيكة؟ ولت أين النسر؟ اختفى ما معنى أن تقول وداعا للصيد وللحصان الرشيق ؟ أنها نهاية الحياة وبداية مغالبة الموت وإذن، سننظر في غرضك أن تشتري بلادنا. فلئن رضينا فلكي نأمن على أنفسنا في ما وعدتنا به من مطرح نعيش فيه. هناك. ربما، سوف نعيش آخر أيامنا. وحين يزول آخر إنسان أحمر فوق الأرض، ولا يبقى منه إلا ظلال سحابة تعبر البراري ستظل هذه الشطآن والغابات مسكونة بروح شعبي.
وإذن، إذا بعناك أرضنا فأحبها كما يحب الوليد خفقان قلب أمه. وأذن، إذا بعناك أرضنا فأحبها كما أحببناها، واستوص بها خيرا كما استوصينا. واحتفظ من أرضنا بصورة لها مثلما كانت يوم أخذتها. وبكل ما أُعطيت من سلطان، وكل ما فيك من عقل وقلب: استوص بأرضنا وصنها. احبها كما يحبنا الله جميعا إنني أعلم أن إلهنا إلهكم واحد، وأن هذه الأرض غالية عليه. واعلم أن الرجل الأبيض أيضا لن يفلت من يد المصير. وفي النهاية...لعلنا أخوان وسوف نرى. http://www.islamdaily.org/ar/democracy/11604.article.htm | |
| مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2+subscribe@googlegroups.com - أرشيف الرسائل |
| 2 | موسم الهجرة إلى التقسيم
بقلم: د. سعيد حارب |
http://www.alamatonline.net/l3.php?id=62666 - 2013-06-10 13:06:35
أستعير من الراحل الطيب صالح اسم روايته الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال» لأختار عنوانا لهذا المقال، فالناظر إلى الساحة العربية يجد أن العرب يتجهون في رحلة سريعة نحو التقسيم والتجزئة بكل صورها وتجلياتها، بدءًا من التقسيم الاجتماعي والقبلي مرورا بالعرقي وانتهاءً بالطائفي الذي أصبح حقيقة واقعة لا يمكن أن ينكرها إلا من فقد القدرة على المراقبة، عدا عن القدرة على التحليل. ففي عالم يتجه نحو التكتلات السياسية والاقتصادية، نجد العرب يتجهون إلى مزيد من التقسيم والتشظي ، ولم يعد شعار «بلاد العُرب أوطاني» الذي علمونا إياه في المدارس سوى ذكرى نتذكرها مع بقية الذكريات التاريخية التي تريح النفوس لكنها لا تريح الواقع ولا تغير منه شيئا، فالمجتمعات العربية تشهد انقساما حادا في بنيتها الاجتماعية إما بسبب الانتماءات السياسية أو الفكرية، ولم تعد فكرة القبول بالآخر فكرة محببة لدى كثير من العرب، ومن يطالع وسائل «التعبير» العامة كشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها يجد مساحة الشقاق الذي يسود بين المختلفين العرب بكافة اتجاهاتهم السياسية والدينية والفكرية، مستخدمين في ذلك كافة الوسائل بدءًا من الكلمة وانتهاء بالقتال المسلح من شارع إلى شارع، ولم يسلم من ذلك أحد إلا من أراد أن يعتزل «الفتنة»، وذلك دور يمارسه بعض المثقفين الذين وجدوا أنفسهم بين الطرفين فآثروا ألا يكونوا وقودا لذلك الصراع أو سببا فيه، ورغم أن هذا الموقف يشير إلى انسحاب هؤلاء المثقفين وعجزهم عن التأثير على الرأي العام، إلا أن البعض يجد لهم عذرا بسبب تلك الحالة التي يمر بها العرب في بيئة أصبح الفكر فيها يشكل مطلبا متأخرا في حياة الناس التي انشغلت إما بصراعاتها أو بمصالحها، وذلك أمر يزيد من سوء الحالة. ولعل المتابع لكتابات بعض المثقفين والإعلاميين والكتّاب العرب يخرج بصورة واضحة عن هذه الحالة، فمعظم الكتابات تتبنى رؤية نقدية للواقع بل إن بعضها يتسم بالسوداوية والتشاؤم، وقد أسهم في ذلك عدم قدرة المثقف على تلبية «ما تطلبه الجماهير» كما يفعل بعض السياسيين أو الخطباء والوعاظ أو حتى بعض المثقفين الذين أصبحوا يمشون خلف الصيحات لا أمامها!
لقد أدى غياب المثقف وصاحب الرأي والقوى الاجتماعية المعتدلة إلى أن يتولى أصحاب الرؤى التقسيمية من كافة التوجهات الدينية والسياسية والاجتماعية مقدمة الركب، بينما توارى الداعون للاعتدال والتسامح والتوافق وتغليب المصلحة العامة على المصالح الجزئية، مما جعل شبح التقسيم يلف المنطقة العربية، حتى وإن لم يتحول إلى واقع جيوسياسي كما حدث في جنوب السودان أو كما يلوح في الأفق في العراق واليمن وسوريا وليبيا ولبنان، إلا أن معظم الأقطار العربية تشهد صورة من هذا التقسيم، وقد استُخدمت الطائفة والقبيلة والعرق وسائل لتعزيز هذا التقسيم، فالعراق الذي ظل متماسكا عبر قرون من الزمن، ها هو ينقسم بين سنة وشيعة, وعرب وأكراد، بل يصل التقسيم إلى العظم حين يقسّم المُقسّم، فالشيعة في العراق أحزاب وجماعات تتصارع فيما بينها، ومثلهم السنة، بينما يحافظ الأكراد على شيء من التماسك لا بسبب غياب أسباب التمزق ولكن خوفا من الآخر الذي يمكن أن يحطم الجميع، في صورة تعيد إلى الأذهان حرب «البسوس اللبنانية»!
أما سوريا فإن القتل أصبح فيها على الهوية ولم تعد ملامح الحرب الطائفية تخفى على الجميع خاصة بعد تدخل حزب الله ومشاركته في هذه الحرب دفاعا عن «الطائفة» وليس عن المقاومة كما يريد أن يسوغ تدخله، ولا أظن أن هذه الحرب يمكن أن تنتهي في فترة قريبة، لا بسبب عجز أحد الطرفين عن الانتصار، بل لعدم رغبة اللاعبين الحقيقيين في إنهاء هذه الحرب.
أما لبنان فهو كمثل الواقف على كرة تتمايل به في كل اتجاه وتوشك أن توقعه في أتون الحرب الأهلية مرة أخرى، ليعيد إنتاج حرب السنوات الخمس عشرة العجاف التي حصدت اللبنانيين قبل أن تحصد الأخضر واليابس وتحيل «سويسرا الشرق» إلى عصور الظلام! وقل مثل ذلك في كثير معظم الدول العربية.
بقي أن نسأل بعد ذلك: هل الخليج العربي بمنأى عن هذا التقسيم؟ منذ سنوات وتقارير مراكز الدراسات الغربية خاصة الأمريكية منها تتحدث عن «إعادة» رسم المنطقة، ويشير بعضها بوضوح إلى تغييرات تطال البنية السياسية والجغرافية في المنطقة، لكن رغم ذلك لم تشهد المنطقة شيئا من هذه التحولات التي يمكن أن ترجع أسبابها إلى تماسك بناء هذه الدول، أو أن الوقت والحاجة لم تحن لدى الدول الكبرى لتنفيذ مخططاتها تجاه المنطقة.
أما على المستوى الداخلي فإن مجتمعات دول المنطقة ما زالت متماسكة اجتماعيا وسياسيا، لكن بوادر التقسيم والتشظي بدأت تطل برأسها، فالانقسام الطائفي بين السنة والشيعة يتصاعد يوما بعد يوم، ولعل حالة البحرين صورة لما يمكن أن يتكرر في دول أخرى، وقد غذى ذلك ما يدور من أحداث في مناطق أخرى كالأحداث في سوريا واليمن، مما ينذر بتزايد هذا الانقسام في مجتمعات كانت تشهد انسجاما بين الطائفتين كالمجتمع البحريني. وهناك انقسام آخر قد لا يبدو واضحا لكنه بدأ يبرز في المجتمع الخليجي وهو الانقسام «المناطقي» بسبب سوء توزيع برامج التنمية في المجتمع الواحد، فبينما يرفل البعض بخيرات التنمية، لا يصل مناطق أخرى إلا «فُتات» التنمية، مما يعزز الشعور بالتمييز بين أبناء ومناطق المجتمع الواحد. بقى بعد ذلك الانقسام السياسي التي تزداد وتيرته يوما بعد يوم، وقد انتقل من النخبة السياسية إلى الشارع العام، مما يعني أننا نعيش دون أن نشعر موسم الهجرة إلى التقسيم. | |
| مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2+subscribe@googlegroups.com - أرشيف الرسائل |
| 3 | رد على ياسر الزعاترة....في مقاله الأخير (عن الشيخ القرضاوي ومسلسل الهجمات عليه)
|
أورد نصا من مقالة الأستاذ ياسر الزعاترة التي نشرت بالمجموعة وكانت بعنوان:(عن الشيخ القرضاوي ومسلسل الهجوم عليه) حيث قال ((مع أن أحدا لم يكن ليقف في 2006، أو قبل ذلك ضد حزب الله وهو يقاتل اليهود، بما في ذلك كثير من علماء السعودية، لكن الأعمال بخواتيمها كما يقال)) لازال الأستاذ ياسر الزعاترة مخدوعاً بتلك المسرحية ويظن أن الحق في تأييد حزب الله في قتاله لليهود!! حتى ظننت أنه لو قام هذا الحزب بمسرحية كتلك التي في 2006م أنه سيقف في صفه! والصحيح أننا لا نقف مع هذا ولا هذا فكلهم أعداء لنا ولا يمكن أصلاً أن يكون بينهما عداء. أقول ما يلي: 1- لازال الفكر السياسي المخدوع المتخذ من الشريعة الإسلامية لبوس و غطاء و شعار يظن أن الوقوف بجانب حزب الله في 2006 صحيح. وهذا يدل على أن أصحاب هذا الفكر لديهم طغيان في تفسير كل ما يجري على أنه مشكلة مادية سياسية دون النظر في العقائد والدوافع العقدية التي تنطلق منها الجماعات والأحزاب والدول تماماً كالتفسير العلماني ولكن بصورة بشعار إسلامي وهذا يفسر بنظري صمت جماعة الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة في تونس وإخوان سوريا ومواقفهم المخزية في الإئتلاف ، عن ما يجري في سوريا ومحاولة الوقوف سياسياً وفعلياً في المسار الحيادي إلا من شعارات وتصريحات جماهيرية وإعلامية. 2- ما كتبه الأستاذ ياسر الزعاترة (( لم يكن ليقف في 2006، أو قبل ذلك ضد حزب الله وهو يقاتل اليهود، بما في ذلك كثير من علماء السعودية)) نوع من التدليس والغش والكذب إلا إن كان يعتبر بعض المتعالمين أو المتفيقهين أو المتصوفة أو المتعاطفين مع (مشروع أسلمة الديمقراطية الراندي) علماء. يجب على الأستاذ ياسر معرفة مواقف العلماء في السعودية من الرافضة أولاً ثم معرفة موقف علماء السعودية من حزب الله من بداية نشأته ثانياً. 3- كما أن هناك أناس يعتبرون مرجئة للحكام يقدسون أفعالهم ويرون أن الحاكم الكافر ولي أمر للمسلمين ، فلا بد أن ننظر إلى أن هناك مرجئة للإخوان و مرجئة يرون أن الرافضة والنصيرية مسلمين ولهم حقوق المسلم الذي يعبد الله لا شريك الله. 4- كنت أتمنى أن يرجع الشيخ القرضاوي عن فتواه (بجواز مشاركة المسلم الأمريكي في الحرب على المسلمين في أفغانستان مع الجيش الأمريكي) فهذه فتوى بجواز قتل المسلم على يد الجندي الأمريكي المسلم فضلاً عن الجندي الكافر فهي أشد خطراً وخطأً من تراجعه عن موقفه من حزب الله والرافضة. و أود أضيف أن في زمننا هذا لن تنفع المداهنة والإرجاء للصديق ولا للبعيد في دين الله ، فالحالة الساخنة في إقليمنا العربي تُعتبر في نظري (حالة حرب) لا يجوز بأي حال من الأحوال السكوت فيها عن الخطأ العقدي أولاً ثم الخطأ السياسي ، ولا بد من الحسم و رسم الحدود والفواصل بين الحق و الباطل حتى يميز الله الخبيث من الطيب. وشكراً. عبدالله بن سعد | |
| مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2+subscribe@googlegroups.com - أرشيف الرسائل |
| 4 |
سِرُّ الصِّناعةِ عِزُّ الحضارةِ إبراهيم الدميجي |
|
الحمد لله الشكور الحميد, العزيز المجيد, أما بعد: فلا بد للحضارة الروحية والفكرية من حديد ونار يحفظها ويدفع عنها العاديات بإذن الله تعالى, وعلى قدر أكل الأمة من زرعها ولبسها من نسجها وعملها من مصنعها؛ يكون عزها بإذن الله, أما الأمة التابعة فهي على اسمها تابعة عالة!
هذا والمال عمود المدنية لأنه يبني الحضارة (المادية) التي بها قوام حراسة الحضارة الروحية, فلا بد للدين من علم باصر وسيف ناصر. ولعظيم فرنسا نابليون: ثلاثة أشياء لا بد منها للنصر: المال ثم المال ثم المال.
وهل السماء تمطر ذهبًا وفضة؟! نعم لقد أنبع الله الأرض لنا بذهبها الأسود الذي حسدتنا عليه الأمم. ولكن هل هذا كل شيء؟ وهل هو كاف للتقدم الحضاري المادي أم لا بد من الأخذ بأسباب سنن الله في كونه؟ لقد اقتضت سنة الله تعالى أن يجعل الثمار لمن زرع والآلات لمن صنع.
في القرن الثامن عشر بدأت بريطانيا من لا شيء إلا من عزمها وتصميمها فحفرت مجدها الصناعي بأصابع أبنائها العارية على صخور تلك الجزيرة الباردة القاسية, فعلا جنابُها وعظمت تجارتها وانتشرت أساطيلها, وسلبت إسبانيا والبرتغال كثيرًا من غنائمهما في أطراف القارات من الأمم المغلوبة المقهورة.. ومرَّ الزمن شيئًا فأخذت بروسيا _ألمانيا فيما بعد_ في عهد رئيسهم المحبوب فردريك بذلك السر الصناعي, واستلهمت روح الصناعة فوثبت في سنين قلائل حتى زاحمت بريطانيا صناعيًا, بل وتعدتها _في الوجهة العسكرية تحديدًا_ فتأمّل كيف تطورت بروسيا من دوقية مجهولة في غياهب سهول بولندا إلى دولة ألمانية دوخت العالم بأسره, والآن هي أغنى دول أوروبا, فقامت من الصفر واللا شيء بالصناعة! ثم انتقل ذلك العزّ الصناعي لما خلف الأطلنطي فمشت عليه الولايات المتحدة الأمريكية, بعد تهريبها سر احتكار الإنجليز للسر الصناعي, علمًا بأن البرلمان البريطاني كان قد منع مستعمراته في أمريكا من صناعة الحديد عام ١٧٥٠م لأجل ضمان عدم تفوّقهم صناعيًّا, فالصناعة تتبع الحديد, أما إن اجتمعت إلية الطاقة فنعمّا هي, وقد كانت في أمريكا ولا زالت. وعندما استعمرت بريطانيا الهند كان في الهند صناعة واعدة في الفحم والحديد (وهما قطبا الثورة الصناعية, أي الطاقة والمادة الخام) فكان أول همّ للإنجليز هو كسر ظهر هذه الصناعة الواعدة وإعادتها للخلف حتى لا تنافس الصناعة البريطانية. قال مفكر الهند الشهير جواهر لال نهرو: لا يوجد أكذب من بريطانيا, ولا أشد أنانية. قلت: لقد فاقتها أمريكا في هذا الزمن, ولا عجب فأكثر أصولهم أنجلو ساكسونية, وينقضي العجب إذا علمت أن هذه المبادئ هي مبادئ الرأسمالية مهما تلوّنت أو تقلبت أو غيّرت جلودها وجنسياتها. ولك أن تعلم أن بريطانيا التي كانت تصرعُ الطبقيّة في بلادها إذ ذاك, وتلغي الإقطاع, ويحكمها البرجوازيون (الطبقة الغنية من غير النبلاء) نراها قد فعلت العكس في الهند, فرعَتْ الإقطاعيين, وحمتهم ودعمتهم, وأعادت الإقطاع جذعًا بعد أن كاد يسقط!
ثم لحق الأمريكان في الصناعة جيرانهم في الضفة الأخرى من المحيط الهادي, أعني اليابان, فنقلوا ذلك السر العجيب فتطور اقتصادهم بسرعة مدهشة, وقصة مبتعثيهم في ذلك مشهورة, ثم حدث تحول رهيب في الاتحاد السوفيتي إبان بدايات اتحادهم فتحدّوا أنفسهم فنقلوا بلادهم في ظرف أربع سنوات فقط _أربع فقط_ من بلد زراعي متخلف إلى بلد صناعي متقدم يصنع الصناعات الثقيلة وليست الخفيفة فقط! وإن كان لا يُنكر الدور التمهيدي لبطرس الأكبر في الحصول على ذلك المفتاح السرّي. تُرى ما هو السرّ؟ وأين يقع المفتاح العجيب لهذا التطوّر الصناعي؟
الجواب: إن المفتاح هو القرار الشجاع والإرادة الصادقة الدؤوب فقط لا غير, فإن ساعد على ذلك موارد ومعادن, وحسن موقع وشبهه كان خيرًا على خير. فإذا وُجدت الإرادة وحُدّدت الأهداف وصدقت العزيمة فسوف تنكسر بإذن الله جبال الجليد من المعوقات التي يذيبها الإصرار نحو الهدف الواضح. فالمسألة إذن تعود للإرادة والقرار. وقبل هذا كله بالطبع توفيق الله تعالى الذي أقام سننه الكونية على القانون السببي الكوني العام, فمن أخذ بالأسباب أثمرت له نتائجها. لقد وجدت تركيا ذلك المفتاح منذ سنيات قلائل وأخذت به, وكانت الثمرة أن دخلت نادي الدول الصناعية من أوسع الأبواب _وإن كانت لا تزال تخطو تحت قبّة تلك البوابة الضخمة, لكن بوصلتها الصناعية دقيقة جدًا, وقد آتت أُكلها هذا الشهر بإعلان تسديد جميع الديون الخارجية على الدولة, والديون هي الحبل الخانق الذي يجذبه الرأسماليون الدوليون فيخنق الدولة التي تريد الانفكاك والهروب من ربقة أباطرة بنوك نيويورك وبارونات لندن, ولكن تركيا كسرت القيد, فهنيئًا لها الحريّة.
إن الأخذ بالأسباب المادية مطلب شرعي, لذلك فقد أخذ المسلمون قواعد مهمة للبناء الصناعي والتمدّن الحضاري وبنوا معارفهم التجريبية على من سبقهم وزادوا ونقحوا وحرروا, حتى أخذها عنهم من بعدهم في سير العالم الحثيث نحو التحضر والاستصناع وسائر العلوم التجريبية في الرياضيات والطب وغيرها, ففكّكوا حضارة الإغريق وبنوا عليها, مع تسرّب بعض الثقافة الإغريقية التي ضرّت الأمة بقدر دخولها. وقد أخذ العثمانيون سابقًا بزمام الصناعة لكنهم وهنوا فأُهينوا, كذلك الأندلسيون, لكنهم تركوا زمام الصناعة مع أنه كان في متناولهم, بل هم أهله وصُنّاعه ومعلّموه ومهندسوه؛ فترتب على تركهم لهم دمارهم وسحقهم واجتثاثهم بالكلية من الجزيرة الألبيرية بأسرها! وتنصير من تبقى منهم فيها! كما ترتب على هزال العثمانيين الصناعي تقطيع أوصالهم بعد الحرب العالمية الثانية _وإن كان قادتهم في القرنين الأخيرين هم من تولى كبر أسباب التخلف الديني والمادي, فرُفع عنهم التوفيق فسقطوا, "ولن تجد لسنة الله تحويلًا".
مما يجدر التنبيه عليه ههنا أن العالم الغربي الصناعي له قاعدة يسير عليها ولا يقبل مجرد نقاشها وهي قاعدة: المركز والأطراف, وهي حاضرة بقوة هنا, وقد تمكّنت هذه القاعدة بعد الحرب العالمية الأولى حتى على الدول غير الإسلامية, كدول امريكا اللاتينية والآسيوية والأفريقية. وملخصها: ربط الأطراف بالمركز, والقضاء على أية نزعة للتحرر من ربقتهم ومركزيتهم, ولا بأس من إلقاء بعض الفتات لإسكاتهم حينما يعلو صوت السخط ونداء الحريّة والسيادة الذاتية لا التبعية. وبتعبير آخر: أن تكون مركزية السيادة في الأرض لهم وحدهم (كمجموع دون القوميات والشعوب والأديان المخالفة) مع تسجيل فشلهم في بعض الأحيان.
هذا فيما بينها وبين العالم (الثاني والثالث!) أما فيما بينها فللحكومات الغربية قاعدة لا تقبل كسرها إلا لمن أخذها كُرهًا كاليابان والصين وهي قاعدة: التوازن الدولي, ولها أمثلة عديدة؛ كالحروب الأوروبية في القرون من السادس عشر إلى الحرب العالمية الثانية, وملخصها: أنه لا يُقبل أن تكون السيادة لدولة واحدة أو حلف واحد مصغر, وإن كانت واشنطن قد كسرت هذا بعد الحرب الباردة, ولكن لعله إلى أمد. فهناك تململ فرنسي وألماني وياباني بل وبريطاني من ذلك, إضافة إلى الرفض الروسي والصيني, والغرض من ذكر ذلك التذكير بأن للمسلمين خيارات أخرى إن أرادوا الموازنة بين خياراتهم وقت المضائق, وبخاصة القرارات الاستراتيجية. وهي لا تخفى على الساسة ولكن كثرة الضرب عليها تنشّط في الأمة أطرافًا خاملة.
ومن فروع القاعدة الأولى: أي سياسة المركز والأطراف؛ أنه لابد أن تُدار أي دولة خارج نطاقهم بمركزهم, ويشتد الأمر حين تكون إسلامية, لأن الإسلام هو الخصم التقليدي للحضارة النصرانية, أو لنقل الصليبية لأن الشعار الصليبي يجمع ثاراتهم التاريخية علينا, حتى وإن كانوا ملاحدة بالكلية! ولا يوجد في الأرض حضارة تضاهي الإسلام بروحيته وعدالته وتسامحه وانسجامه. خاصة وأنهم يشعرون بإفلاس حقيقي عند مضايق المقارنات والمناظرات مع الأمة المسلمة _نذكر هنا ديدات رحمه الله كمثال حاضر قريب_ لذا فيتوجب عليهم بمنطق شريعة الغاب الأخذ بسياسة القطع والقمع, لا الحوار الذي يترتب عليه سقوط المعاقل الفكرية والروحية الغربية تباعًا في ميدان المناظرة والحوار. وقد كان من سياستهم صناعة أدوات بديلة تشاغل المسلمين بأنفسهم, وقد وجدوا في أدوات الاستشراق بغيتهم, فهرعوا لركوبها وبعثوا الحركات الميته كالحلاجية والغلاة من المتصوفة والرافضة والمعتزلة وأخيرا وبقوة شديدة الشيوعية والليبرالية والعلمانية والإلحاد والانحلال ونحوها, كذلك بإشغال ممثلي الإسلام بأنفسهم وهدم القيم الحضارية لهم بأيديهم. وبلسان حالهم ومقالهم: لا بد من الحيلولة دون القيام المادي للمسلمين الذي يحرس القيام الروحي للأمة, ولا بد من تشديد مركزية الغرب لإدارة الشرق برحاه وبخاصة الأمة المسلمة, ولنقف قليلًا مع هذه الأمثلة:
لك أن تتذكّر أن جمال عبد الناصر لمّا أراد النهوض بمصر صناعيّا وقطع مراحل هامّة وظهرت صناعات ثقيلة مصريّة واعدة.. فجأة حدث شيء ما! شيء خفي هلهل الصناعة وأذاب الإرادة وململ العزيمة وانقلب المجد الصناعي إلى هتاف وصراخ وانتفاخ بالباطل, وحوّلت القوّة المصريّة لصدور المسلمين في اليمن حتى تُستنزف ثم تدمّر لاحقًا بالطائرات اليهودية! أما المصانع فعليها وعلى أهلها السلام.
ثم ننتقل ببصرنا إلى العراق العظيم الذي قامت فيه بوادر نهضة صناعية _وللأسف كانت حربيّة فقط_ فكان لزامًا كسر ظهرها بفتح الجبهة الإيرانية وصرْع المارِدَيْن خلال ثمان سنوات, وكانت أمريكا تصرّح بعدُ: لا نريد للعراق أن يُهزم ولا أن ينتصر! نعم إنه استنزاف الدم العراقي حتى نقيّ العظام. وبعدها أعدّوا له الأحبولة الكويتية فوقع فيها بكل سذاجة وغباء, حينها كان العراق المجيد قد رحل الى حيث حطّت رحلها أم قشعمِ! مع تسجيلنا للإجرام البعثي الصدّامي على الدين والدم, ولكن كان أبو عديّ رجلًا يقدح قراره من رأسه بدون تبعيّة _ليست مباشرة على الأقل_.
أما إيران التي استنزفوها في عهد صدام مع علمهم بإخلاصها لهم _بسبب تقاطع المصالح من جهة, وبسبب طبيعة العدوّ للطرفين من جهة أخرى_ فقد شكروها بما لم يخطر لها على بال, إذ قُدّمت لها بلاد الرافدين الغنية على طبق, وفوقه رأس صدام برمزيته السُّنّيّة كذلك! ثم لننطلق عبر البحر الهندي إلى الأرخبيل الأندنوسي إلى العالم الأصفر ولنقف متسائلين عن سبب كسرهم للنمور الآسيوية لما أرادت الخروج عن طوق المركز _مع أن أكثريتها ليست إسلامية_ لكنهم أسقطوهم. ثم دعونا نقف وقفة طويلة مع قائدين عظيمين للمسلمين:
لما تعاون الراحلان الملك فيصل والرئيس الباكستاني ضياء الحق في المجال الصناعي والعسكري _وبخاصة في جانب البحرية_ والبدء بخطوات عملية لصناعة القنبلة النووية, السعودية بالمال وباكستان بالخبرة والعمل؛ لم تقف دول المركز مكتوفة بل سارعت لقصّ أجنحة من أرادوا الطيران خارج القفص الغربي فكانت النهاية المعلومة لكليهما, ولم تمانع أمريكا من أن تضحي بسفيرها في باكستان لتقتله مع ضياء الحق بصاروخ أرض جو, فالمهم عندها أن لا تُصنع القنبلة النووية الإسلامية, لأن من شأنها أن تكون ملاذًا آمنا لأعظم الأمم على الإطلاق, والتي طردت أمة الروم من أحسن بلدانها إلى هذا اليوم, ولولا أن الله قيّض لباكستان المهندس العصامي الفذّ عبد القدير خان أبو القنبلة النووية الإسلامية الباكستانية فعمل بجهد فريق كامل, وبعقل فئامٍ من الرجال, وقد ساعدته المؤسسة العسكرية حينها, إذ كانت الروح المعنوية التي دفقها ضياء الحق في الجيش والحكومة والشعب لا تزال حاضرة, ولكن _وبكل مرارة_ تم الالتفاف بصعوبة على ذلك الإنجاز بتعاون مخابرات بضع دول عظمى حتى آل الأمر إلى ما عليه الان!
لقد أراد القائدان الوصول إلى الكفاءة الصناعية! وقد علما أن دون ذلك خرط القتاد مالم يحرس الماشين لتحقيق ذلك الهدف النبيل قوّة ردع حقيقية كالسلاح النووي, وهذا فقه عميق منهما لواقع حاكمية السلاح في دنيا المادة الماردة! ولله في تأخير ذلك حِكَمٌ, منها أن المسلمين لا زالوا بحاجة لتمحيص وتحقيق توحيد وعلوّ إيمان.
وبالجملة فلا بد للعرب والمسلمين من ثورة صناعية لابد, لابد. وإنها لقادمة بإذن الله إن وفق الله قادتها وألهمهم رشدهم ووقاهم شرّ أنفسهم. تخيّل لو أن النفط الخليجي كان في بلدٍ كفرنسا أو ألمانيا إبّان النهضة الصناعية (كان ذلك سيختصر عليهم عقودًا من السنين) لقد كانوا يعصرون الناس عصرًا ليعملوا وينتجوا من لا شيء, حتى صنعوا الآلات التي أقامت حضارتهم, فلقد علموا أن مصنع النسيج لا بد أن يُصنع بإزائة بارجة, ومنجم الذهب لابد أن يُحمى ببارود, ولقد فهمت إيران اللعبة الدوليّة من آخرها, وها هي تسابق الزمن, كذلك كوريا الشمالية على بشاعتهما, أما كوريا الجنوبية فقد حدّدوا لها سقفًا وهي لا تمانع من القبوع تحته. وليت شعري في أي الخطين قومي, أم أنهم دون ذلك كله, وهل صحيح أن صناعة إسبانيا المتخلفة تعادل صناعة العالم العربي كلة, هل نحن في رقٍّ لا نشعر به, أم لا نريد أن نشعر به, يا للأسى والحسرة؟!
وماذا بعد؟ أقول باختصار: لابد للدول الإسلامية بعامة, والعربية بخاصة, والخليجة بالخصوص: من بناء حضارة صناعية حقيقية, ولْنكن صرحاء؛ فبالله عليكم قد أنبع الله لنا من تحت أقدامنا الذهب الأسود منذ تسعين سنة ولم نصنع حتى اليوم سيارة ولا طائرة ولا هاتفًا! ولو كان عندنا إرادة حقيقية مستمرّة لكنا نجوب الفضاء بسفننا.. أقولها وأنا أعني ما أقول! وصدّقوني: لو استمرت الثورة الصناعية في بلدنا على وتيرتها الأولى لكنّا اليوم في مصافّ الدول الصناعية الكبرى, ولكان النفط اليوم مجرّد موردٍ عاضد للميزانية.
ولا شك أن الخطط الخمسية لدول الخليج قد قطعت أشواطًا في البنية التحتية المصنعية, وبخاصة في البتروكيماويات والمشتقات البترولية والغاز, ولكن كلّما فرحنا بتفرّدٍ لإحدى شركاتنا الكبار (أرامكوا وسابك مثلًا) نصطدم -وبلا سبب ظاهر - بانتكاسة مفاجئة, وشلل مؤقت, وتسرّب لشبهات فسادٍ, وفضائح وإخفاق وفشل.. هل تدرون ما السبب؟! الجواب: لأننا أوشكنا على التشبّث بأهداب السرّ الصناعي بخلطته التجارية, وإكسيره الحضاري, وهذ ما لا تقبله قوى المركز, لذلك فمن أراد النهوض فلابد قبل له ذلك من كسر القيد! وما ذلك على الله بعزيز. وقد قيل: الأمة التي لا تأكل مما تزرع, ولا تلبس مما تصنع؛ لا تستحق الكرامة!
يا سادة: ما بالنا منذ عقود نحرث في تلك الخطط الخمسية والعشرية ولا زالت مخرجاتها دون المأمول! فأين الخلل؟
الجواب: أن الخلل في أمرين: الأول ضعف الإرادة, والثاني: الفساد. لذلك فمما يُحفظ للدكتور غازي القصيبي رحمه الله حينما كان وزيرًا للصناعة أنّه قد ذلّل هذين الأمرين, فأُسند برعاية مباشرة من الملك فهد رحمه الله, وأُطلقت يده النزيهة الحازمة في تشكيل الأنظمة ومتابعتها, ويكفيه فخرًا إنشاء شركة سابك. وإن كانت قد ضعفت كثيرًا في الآخر, وظهر تخبّطها واضطرابها, فهي وأرامكوا وغيرهما في حاجة لغازي جديد ودعم شديد من قبل الملك ومجلس الوزراء, شريطة الحزم والاستقلالية والشفافية وإسناد الأمر لأهله. وهي ليست مشكلة الخليج فقط, بل دول العرب والإسلام كافّة.
ومما ينبه له أنّه لما أرادت إحدى الدول الإسلامية الكبرى الانفكاك من ربقة المركز الغربي الأمريكي عبرَ التحالف الاقتصادي مع الشرق؛ دبّروا لها ولغيرها تضخيم موضوع الإرهاب, وفلم تفجير مركز التجارة العالمي! وقد أفادهم ذلك في تقييد إرادة كثير من دول المسلمين. ولمّا غزرت وكثرت تبرعات دول الخليج في الإغاثة والدعوة إلى الله في العالم ضربوهم بكارثة الأسهم في الأسواق الماليّة الخليجية, وإرجاع الملاءة المالية لتلك الشعوب المعطاءة عشرة أعوام, ثم قيّدت الإرادة بالتغريب الرسميّ, وبمنع أعمال البر والإغاثة والدعوة في الخارج, مع السماح للرافضة والمنصرين, والمؤلم المستفزّ حقًّا تسليم بعض المراكز والمساجد التي بناها أهل الخليج للرافضة المجوسية, وليست هذه جملة دِعائية بل هي موثقة ومثبتة في بقاع غير قليلة من العالم! ونقول لأحرار سادة المسلمين: إن المجال مفتوح إلى الآن؛ فالغرب والشرق عُبَّادٌ للمال, فالمال وحده هو محرّكهم الأساس, أما القوميات والأديان فهي رتوش اجتماعية لأقوامهم لا غير, لذا فضرب المركزية الغربية التي قيدتنا بالتحالف مع الشرق مؤقتًا ولو بشرائه بالمال, ريثما نبني اقتصادًا منافسًا, تحرسه نيران مدافعنا.
أما عندما تخلو ساحة المصانع من حارس قوي فلا ينتظر أصحابه شرف المنافسة في الميدان الدولي, ولنأخذ بعض الأمثلة: ومنها ما فعلته القوة الصناعية البريطانية المنافسة للصين التي فكرت _فقط فكرت_ أن تنشئ صناعة صينية في القرن الثامن عشر: فقد شنت عليها حربًا عسكريّة ضارية على سبب دنيء قبيح لئيم وهو منع الصين تجار بريطانيا من بيع الأفيون في بلادها, وقد انتهت حرب الأفيون المخزية بين بريطانيا والصين عام ١٨٤٢م بعد ما وقعت الصين المهزومة تلك الاتفاقية المهينة بالقبول ببيع الأفيون والمخدرات لشعبها من قبل التجار البريطانيين الذين كانوا يزرعونه في الهند, وليس هذا فقط بل مع تعويض بريطانيا عن نفقات حربها لها, ومع غرامات أخرى منها تعويضها عن حملة صناديق أفيون ضخمة كانت الصين قد صادرتها وأحرقتها, بالإضافة الى اقتطاع هونج كونج منها! لذا فلا تعجب من الحقد الصيني الأصيل على أوروبا بعامة والمملكة المتحدة بخاصة, وقد كانت الصين في القرن الثامن والتاسع عشر تسمي البريطانيين والفرنسيين البرابرة!
وانظر كذلك إلى القوة الصناعية ما ذا تفعل بمن أراد الخروج من الشرنقة الربوية للبنوك العالمية: فبمبدأ مونروا في القرن الماضي منعت الولايات المتحدة دول أوروبا من التدخل عسكريًا في أي دولة في القارتين الأمريكيتين, ولكنها من الخلف استعمرت غالب الدول الأمريكية اللاتينية بطريق غير مباشر, ألا وهو سياسة الاحتكار, والإقراض الربوي الفاحش, وتملك البنوك ومناجم الفحم وموارد الطاقة, وبيع الأسلحة للأطراف المتحاربة, والدخول عسكريًا إذا لزم الأمر في حالة صعود من يخالفهم. ولا تغرنك عنتريات كاسترو وشافيز وأشباههما فالسلك المركزي قد انتظمهما مع سلفهما عبر عقود. وهذا المبدأ هو المعمول به من قبل أمريكا حاليًا في البلاد الإسلامية عمومًا. فلا بد لنا إذن من الخروج من دائرة المركز بأي ثمن حتى تكون القرارات حرّة. وهل الخنوع المقزّز والانبطاح المشين أمام هيئة الأمم إلا من فروع ذلك؟! واعتبر ذلك بحق نقض الدول الخمس (الفيتو) عمومًا, وانظر لحالنا معهم حيال قضيتنا التقليدية فلسطين, وجرحنا الدامي الحالي في سوريا المكلومة الثكلى, وما من معتَصِمٍ لها!
إنه لمن الطريف المحزن وَهْمُ القوّة لدى من رأس ماله أحلام المفاليس وخيالات الأماني, وهُمْ كثير في هذا الزمان, ولكن لنرجع للوراء قليلًا حتى نرى بولندا قد زجت بالفرسان على صهوات الخيل عام 1939م أمام أرتال الدبابات الألمانية التي سحقتها بلا رحمة, وقريبٌ من ذلك فعل المماليك مع نابليون في مصر, إذ أقبل فارس على حصانه ملوحٌ بسيفه للمبارزة! وما تنتظرون؟ لقد خرّقت جسده الشجاع بنادق جند نابليون على الفور! إن القوّة لا تقلب الحق باطلًا ولكنها تُجبر الخصم الضعيف على قبوله وإعلان صدقيته, ففي أوائل الحرب العالمية الثانية أعدم الدموي ستالين ستين ألف أسير بولندي, منهم خمسة آلاف ضابط في غابة كاتين, ولما سئل عنهم وقدّمت له قوائم بالمفقودين من الأسرى؛ أنكر بكل صفاقة أنه قد عامل أحدًا من الأسرى بلا إنسانية, وأجبر خصومه على تصديق القوة, حتى كشف يلتسين تلك الكذبة عام 1992م حينما قدم أصل الأمر بالإعدام ممهورًا بإمضاء ستالين! أما سكوت العالم عن ملايين المسلمين الذين أعدمهم بزمهرير سيبيريا فهو أشهر من أن يذكر.
وإذا اردت أن تعرف مقدار القرب أو البعد من قطب المركز فولّ وجهك للقرار الاقتصادي في الدولة المعيّنة, فعلى قدر حصول حريتها واستقلال قرارها في إدارة مواردها في التملّك والاستيراد والتصدير يكون استقلالها الحقيقي _مع الاعتبار الأولوي للقيم والأخلاق والأفكار_ ولا تغرّنك المظاهر الاستقلالية دون الجواهر الاستغلالية, فهو استعمار بأثواب جدد, فحتى القرارات والاستراتيجيات السياسية للدول الرأسمالية إنما محرّكها الأكبر هو الاقتصاد. وهذا الاستعمار الجديد هو أقلّ الاستعمارات كلفة على المستعمر.
وبما أن ملوك العالم الحقيقيين هم أصحاب البنوك العالمية, فلا بد من العمل على الانفكاك من ربقتهم واستعبادهم للدول والمصانع, بل والشعوب, فهم يحكمون العالم من خلف ستار. وللأسف فدولنا لا زال نظامها يرسف في أغلال ذلك النظام الرأسمالي الجائر, بل حتى الدول التي تعلن أن نظامها المالي نظام إسلامي نجدها حين الفحص قد أخذت -مع أسلمة اقتصادها المعلن- مَنحًا رأسماليًا شديدًا كالربا, الذي هو عمود الرأسمالية وجذعها الذي لا تقوم إلا به, كذلك الأنظمة الرأسمالية الرائجة في تلك الدول المستعمَرَة ماليًّا (وسياديًّا) بكل أسف ومرارة. ولكن بحمد ربنا ففي آخر النفق يتراءى لناظرينا شعاعٌ وضياءٌ للحرية الإسلامية الأصيلة, لا الليبرالية الخديجة الشوهاء.
وليس بعجيب أن بنوك نيويورك تسيطر على أكثر دول العالم بما فيها الولايات المتحدة ذاتها!
وكم قامت من حرب كان قرارها وقَلَمُها الأول من رواق تلك البنوك, ومن بعدها الشركات الكبرى, وأخيرا الموظف الأول لمن هم خلف الستار نزيل البيت الأبيض, وأعضاء الكونجرس, مع إعطائهم هوامش صغيرة للمناورة ولإرضاء الذات الرئاسية, والمنتخبين المخدوعين.
يا سادة: لنبدأ بصناعة الحديد بعد استكمال البنية الكاملة للمشتقات البترولية, ومن الأهمية بمكان إنهاء الهدر البترولي ببيعه الحالي خامًا رخيصًا, ولابد من العجلة في ذلك, فكل يوم يمضي فإن المخزون ينقص, وسيأتي يوم يقلّ الإنتاج عن تكلفة استخراجه, فهو مخزون غير متجدّد بحال! والمخزون لن يدوم مهما تفاءل المنقّبون بغزارته. ومن الأمانة حفظه للأجيال.
وكذلك فلا نريد أن نكتفي بالصناعات الخفيفة, وهي إنتاج البضائع الاستهلاكية ونحوها التي هي عبارة عن شراء الآلات من الخارج ثم تركيبها, بل نريد قيامًا ونهضةً للصناعات الثقيلة التي تصنع المصانع ذاتها بآلاتها ومعداتها كالقوالب والمحركات ونحوها. وكلّ شيء بأيدينا, فالمواد الخام والطاقة والمال المقيم للمصانع, بل حتى الأيدي العاملة, فكل مسلم يريد القيام لعز الإسلام بخبرته مع إعطائه حقه وأجرته, والبلاد الإسلامية ولود ودود بالعلماء والمهندسين والخبراء بالصناعات الدقيقة, ولقد حُدّثتُ عن مهندسٍ هنديٍّ مسلم, متخصص في نوع دقيق من القوالب الحديدية والفولاذية, وقد قبل التعاقد مع مصنع سعودي براتب قدره 30,000 ريال مفضلّاً إياه على عرض أوروبي يعادل 70,000 ريال, وقد أجاب حينما سئل عن سبب اختياره: أريد المساهمة في انتعاش الصناعة في بلاد الإسلام, يالَسموّه وعظمته!
لقد ذهب فئام من قومنا إلى قوى المركز ليسألوهم ويسترشدوا منهم سبب التخلف الحضاري (المادي) للمسلمين, فغشوهم بأن أجابوهم: إنه دِينكم! فعادوا لأمتهم بشرّ ورْدٍ فقالوا: خذوا حضارتهم حلوها ومرّها! وكانت النتيجة -بتدبير قوى المركز التي كانت تدير سياستهم ورؤوسهم- أن أخذوا انحلالها وفكرها دون صناعتها وقوتها, فما أشدّها من خيبة, وما أعظمها من غبينة!
يا حكام دولنا الإسلاميّة: اعلموا ماذا يُراد بكم وبشعوبكم, وصحّحوا المسار, واستقيموا, وتحرّروا من ربقة الغرب, وولّوا وجهتكم شطر قبلتكم الناصحة الجامعة, وضعوا دفّة المسيرة في أيدٍ مخلصةٍ لدينها, قويّة أمينة, لا ضعيفة ولا سارقة. فقد ملّت شعوبكم الذلة والفقر والتفرق والهوان, وافتحوا صفحة جديدة في مجد أمتكم, ومتى صلح الدين صلحت عليه الدنيا, وإن غدًا لناظره قريب.
إبراهيم الدميجي 30/ 7/ 1434 @aldumaiji | |
--
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية.
يمكن مراسلة د. عبد العزيز قاسم على البريد الإلكتروني
azizkasem1400@gmail.com
(الردود على رسائل المجموعة قد لا تصل)
للاشتراك في هذه المجموعة، أرسل رسالة إلكترونية إلى العنوان التالي ثم قم بالرد على رسالة التأكيد
azizkasem2+subscribe@googlegroups.com
لإلغاء الاشتراك أرسل رسالة إلكترونية إلى العنوان التالي ثم قم بالرد على رسالة التأكيد
azizkasem2+unsubscribe@googlegroups.com
لزيارة أرشيف هذه المجموعة إذهب إلى
https://groups.google.com/group/azizkasem2/topics?hl=ar
لزيارة أرشيف المجموعة الأولى إذهب إلى
http://groups.google.com/group/azizkasem/topics?hl=ar
---
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في المجموعة "مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية (2)" من مجموعات Google.
لإلغاء اشتراكك في هذه المجموعة وإيقاف تلقي رسائل إلكترونية منها، أرسِل رسالة إلكترونية إلى azizkasem2+unsubscribe@googlegroups.com.
للمزيد من الخيارات، انتقل إلى https://groups.google.com/groups/opt_out.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق