21‏/07‏/2013

[عبدالعزيز قاسم:2765] الحويني للإخوان: الله سلبها منكم لكي تتربوا+أبو يعرب المرزوقي:سيادة الأمم ما هي؟

1


الحويني للإخوان: الله سلبها منكم لكي تتربوا

أبرز القيادات السلفية تحدث تلميحاً عن رأيه في تجربة الجماعة



الأحد 12 رمضان 1434هـ - 21 يوليو 2013م
الشيخ السلفي انتقد الإخوان تلميحاً  

العربية.نت

أعلن الشيخ أبي إسحاق الحويني، الذي يعد من أبرز القيادات السلفية في مصر، تلميحاً عن تجربة حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر والتي استمرت عاما، وقال إن الله منحها إياهم، وعندما أخفقوا، سلبها منهم لكي يتعظوا.

وقال الحويني، في فيديو على صفحته الإلكترونية الرسمية، بالحرف الواحد: "كأن الله أراد أن يقول للمتشوقين والذين يحلمون بإقامة الإسلام، أدنهالكم سنة.. ما نفعتوش، نسلبها منكم، لتتربوا وترجعوا، وتعرفوا أن التمكين لا يكون إلا بالعبودية".

وعُزل الرئيس محمد مرسي، الذي ينتمي لجماعة الإخوان، إثر تظاهرات انطلقت في الذكرى السنوية لتوليه الحكم في 30 يونيو/حزيران، وذلك إثر تدخل الجيش إلى جانب القوى المدنية التي رفضت استمرار مرسي في الحكم.

وتابع الحويني موضحا وجهة نظره: "لو صرتم عبادا لله، مكنكم حتى بلا أسباب"، مشيرا إلى أن "حكم العالم أمر كبير".

وقال مخاطبا الإخوان تلميحا: "ارجعوا إلى أنفسكم، وليسأل امرؤ نفسه: هل أنا عبد لربي في نفسي وفي بيتي وفي أولادي وفي عملي؟ هل أنا عبد لربي في حياتي مع الناس؟ ولا يكذب إذا أراد لنفسه خيرا، فإذا كان الجواب: لا، عرفنا الخلل".

وأضاف: "كلامي لن يعجب المتحمسين، وسيقول بعض الناس متخاذل، ولكن عندما تنكشف الفتن، سيعلم الناس من كان صاحب بصيرة، ومن كان أعمى"، مشيرا إلى أنه "كما مُكن أسلافنا الكبار، لن نُمكن إلا إذا سرنا عل طريقهم".

واستدرك القيادي السلفي: "لا ينجح رجل لا يحمل هما. الذي لا يحمل هما، هو رجل فاشل في الدنيا، ناهيك أن يكون فاشلا في الدين".

وحول مدى متابعته للأزمة الحالية بعد عزل مرسي، قال الحويني: "لايظن أحد أنني غائب عن المشهد، وإن لم أكن من حضوره، وعندي كلام كثير، وربما اقتضت الحكمة ألا أتكلم به الآن، وسأتكلم به في وقته".

وقال: "كلامي ليس مبنيا على العاطفة، ولا على الانفعال، ولكن مبني على الاعتقاد والظن الراجح".



"كريمة" لـ"الحوينى": ليس الإخوان فقط من فشل بل معهم السلفيون أيضا


قال الدكتور أحمد محمود كريمة، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر، فى تصريح خاص لـ"اليوم السابع"، إن مشايخ الفكر والعنف المسلح آن لهم أن يصمتوا فذلك خيرا لهم وللإسلام، لأن اللعب بورقة الدين داخل الصراع السياسى يفسد الدين والسياسة معا.

وأضاف "كريمة": "إن الأخ الفاضل أبو إسحاق الحوينى ينتمى لتيار شارك فى إفساد الحياة السياسية فى الفترة السابقة، وفى رأيى أنه ليس الإخوان فقط هم من فشلوا وأخطأوا فى الفترة السابقة، بل التيار الإسلامى والجماعات الإسلامية فشلوا أيضا، وأفسدوا الحياة السياسية، وأدعو الجميع أن يتراجعوا ويدركوا أخطائهم ويحاولوا إصلاحها بابتعادهم عن السياسة.

وتسائل "كريمة" لماذا لم يقل أبو إسحاق هذا الكلام منذ البداية، أو حتى فى ظل حكم جماعة الإخوان، فقد كانت الشجاعة الأدبية تقتضى ذلك.

الجدير بالذكر أنه قد تداول عدد من النشطاء على موقع التواصل الاجتماعى "الفيس بوك" فيديو للشيخ إسحاق الحوينى، وهو يعقب على عزل الرئيس محمد مرسى، قائلاً "عندما أتأمل ما حدث أقول كأن الله عز وجل أراد أن يقول للمتشوقين والذين يحلمون بإقامة الإسلام أعطينا لكم سنة ما نفعتوش، فسلبناها منكم؛ لتتربوا وترجعوا، ولتعرفوا أن التمكين لا يكون إلا بالعبودية، لو صرتم عباد لله مكناكم وبلا أسباب أو ما جرت عليه السنن، يعطيكم الأسباب ويهيئكم لها، فإن حكم العالم أمر كبير، فارجعوا إلى أنفسكم مرة أخرى، وليسأل كل امرئ نفسه: هل أنا عبد لربى؟ فيما بينى وبينه، ولا يكذب فى الإجابة؛ لنعرف أين الخلل".

مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2+subscribe@googlegroups.com - أرشيف الرسائل

2


أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية..ووزير خارجية تركيا السابق

"يشار ياكيش":

تفوّقنا على الإسلاميين العرب بفضل دستورنا "العلماني"!



الاربعاء 17 تموز (يوليو) 2013

بقلم: بيار عقل

المقابلة التي أجرتها جريدة "حريات" التركية مع وزير الخارجية السابق "يشار ياكيش"، وسفير تركيا الأسبق في مصر (المقابلة بالإنكليزية على الرابط التالي) مدهشة بقدر ما هي جديرة بالقراءة. فالسيد ياكيش ليس سياسياً "ليبرالياً" بل هو أحد مؤسسي "حزب العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا وهو واحد من ٦ أشخاص كتبوا برنامج الحزب الإسلامي التركي. وهو يبدي امتنانه لـ"العلمانية" التي أوصلت حزبه إلى السلطة وجعلت على "مسافة بع، لكانوا قد وصلوا إلى نقطة أخرى عما هم عليه حالياً"!!

ويظهر كلام السيد "يشار ياكيش" كيف استخدم "إصلاحيو" الإسلام السياسي التركي مبدأ "رياضة الجودو"، أي الإستفادة من قوة الخصم واندفاعه (والخصم هنا كان "العلمانية" التي ينص عليها الدستور التركي) للوصول إلى السلطة! فأعلن إسلاميو تركيا ولاءهم للدستور "العلماني"، بدفع من الرئيس الحالي عبدالله غول، في حين يغرق الإسلاميون العرب في لفظية بدائية لا تظهر أحياناً حتى "الفائدة العملية" لها! فماذا يعني مثلاً الإصرار على أن "دين الدولة هو الإسلام"، باستثناء الإشارة "الطريفة" التالية الواردة في الويكيبيديا مثلاً: "محمد حسني السيد مبارك وشهرته حسني مبارك"! وقبله "محمد أنور السادات وشهرته أنور السادات"!! (وبموجبها يصبح جمال عبد الناصر.. قبطياً؟)!، أو الإصرار على أن يكون رئيس الدولة مسلماً! فهل يخشى الإخوان المسلمون والسلفيون المصريون، مثلاً، أن يصوّت ٨٠ مليون سنّي مصري لانتخاب "قبطي" رئيساً لمصر؟ (حول الكوارث التي تسبّب بها نص "دين الدولة الإسلام" أنظر ما قاله طه حسين في النص المنشور على الشفاف). ويدخل في إطار "بدائية" أو غباء الإسلام السياسي العربي القانون الذي شرّعه البرلمان الكويتي السابق ورفضه أمير البلاد، وبموجبه يُحكَم على غير المسلم الذي يسيء لما يسمى "الذات الإلهية" بالسجن ١٠ سنوات مقابل الإعدام.. للمسلم! وهذا، بالحد الأدنى، يلغي مبدأ "المساواة" بين المواطنين!
وتتضمن مقابلة السيد "يشار ياكيش" إشارة مهمة إلى مسألة "الحجاب" التي اكتشف عبدالله غول ورفاقه أنها، رغم النقاشات الحامية حولها، لم تكن موضوعاً أساسياً بالنسبة للناخب التركي الذي كان همّه الأول هو "البطالة" و"الأمن" وليس تحجيب المرأة (أو حتى "تحجيب أبو الهول!).
وتعزّز مقابلة وزير خارجية تركيا "الإسلامي" السابق الإنطباع الذي تولّد من حديث الرئيس عبدالله غول (من الواضح أن "يشار ياكيش" أقرب إلى عبدالله غول، وأن موقفه "نقدي" من طيب إردوغان ونزعته السلطوية) يوم أمس مع السفير المصري في أنقرة: وهو أن تركيا "احتجت" على "الإنقلاب" لكنها تعتبر أن "ما حصل قد حصل"! واستطراداً، فإن موقف "حزب العدالة والتنمية" التركي سيكون، على الأرجح، باتجاه دفع الإخوان المسلمين المصريين إلى إجراء "مراجعة ذاتية" وليس باتجاه دفعهم إلى الصدام مع الجيش المصري. ولكن ذلك يفترض وجود "إصلاحيين" داخل الإخوان المسلمين المصريين. وذلك ليس مؤكدا على الإطلاق!
هنالك نقطة وحيدة يبدو لنا أن السيد "يشار ياكيش" يخطئ حولها (بسبب إيديولوجيته الإسلامية) وهي ربط موقف الغرب من "الإنقلاب" الذي حصل في يوم ٣ تموز/يوليو (وبرأينا، فهو "إنقلاب"..) بالحرص على الأقباط وإسرائيل. فليس في السياسات الأميركية أو الأوروبية ما يشير إلى مثل هذا الحرص على الأقباط، مثلما لم يظهر ما يشير إلى حرص كبير على المسيحيين العراقيين الذين تعرضوا لما يقارب الإبادة الجماعية.. بوجود نصف مليون جندي اميركي! أما عن إسرائيل، فلم تنم عن أي تبرّم علني بسياسات الرئيس المعزول، محمد مرسي، الذي خاطب رئيس إسرائيل بلقب "صديقي العزيز" (لأسباب بروتوكولية .. طبعاً!).

بيار عقل


ما رأيك بالنقاشات الدائرة حول إطلاق صفة ‫"‬الإنقلاب‫"‬ على ما حدث في مصر؟
‎ليس هنالك شك في إنه كان انقلاباً‫. إن كل بلد يقيّم الأحداث وفقاً لمصالحه القومية. وهذا ينطبق على الولايات المتحدة وعلى بلدان أوروبا. وأنا أظن أن النفور من الإسلام كان عاملاً مهما في التقييم الذي قامت به تلك البلدان.‬

‎‫إذا، فإن الطابع الإسلامي لـ"الإخوان المسلمين" لم يخدمهم؟‬
‎‫لم يخدمهم لأن الغرب لم يكن مرتاحاً لوصول الإسلام السياسي إلى السلطة. في مصر، الغرب يهمه مصير الأقباط وأمن إسرائيل. وفي ضوء هذين العاملين، فإنه لا يناسبهم أن يكون الإخوان المسلمون في السلطة!!‬

ماذا تجيب حينما يُطلَب منك مقارنة الإسلام السياسي في تركيا بالإسلام السياسي بلدان المنطقة الأخرى؟
كان "حزب الفضيلة"، الذي تفرّع عنه "حزب العدالة والتنمية" (الحاكم حالياً في تركيا) منقسماً إلى إصلاحيين ومحافظين. ومنذ تلك الحقبة برز منحى مختلف في تركيا. فقال السيد عبدالله غول (رئيس جمهورية تركيا حالياً): "لا نستطيع أن نحقّق شيئاً إذا حاربنا النظام العلماني. حينما نبدأ بالعمل من داخل البرلمان فعلينا أن نقول أننا سنظل أوفياء لنظام تركيا العلماني.". وأصبحت كلماته هذه هي الخط الموجّه للحزب. إن "حزب العدالة والتنمية" هو نتاج ذلك القرار. ومن الواضح أن الحزب بات أقوى. إن السلطة تُفسِد، والسلطة المطلقة تُفسِد بصورة مطلقة. وحينما نبدأ بالشعور بأننا بتنا أقوى في السلطة، فإننا نسعى للتصرف مثل لاعب قوي الامر الذي يمكن أن يدفع العديد من الناس للنظر إلينا كتهديد.

إذاً أنت تعتقد أن الفارق الرئيسي بين تركيا والشرق الأوسط هو أن الإسلام السياسي يتجنّب الإصطدام مع النظام؟
حينما نجري مقارنات، فإن بوسعنا أن نقول أن بعض التطورات في تركيا يمكن أن تشكل نموذجاً تستوحيه بلدان الشرق الأوسط. وأحد هذه التطورات هو التحوّل الذي طرأ على "حزب العدالة والتنمية". ولو قامت أحزاب الإسلام السياسي (العربية) بتحوّل مشابه، فلربما كان وضعها الآن مشابهاً للوضع في تركيا.

إذا نظرت الآن إلى شوارع مصر، فستجدين نمط حياة علمانياً. إن مصر مجتمع متحرر. في تركيا لا يمكن سن قانون إستناداً إلى الدين في حين أنه كانت هنالك مادة في الدستور المصري تنص على أنه لا يجوز سن قانون يتعارض مع الشريعة. وبعد سقوط مبارك، لم يأخذ العسكريون قراراً بإلغاء تلك المادة من الدستور المؤقت. وأعلنت كل الأحزاب تقريباً، باستثناء حفنة منها، أنها تؤيد الإبقاء على تلك المادة. إذا ما قارنت بين تركيا ومصر: فلو كان المصريون تبنّوا دستوراً علمانياً، لكانوا قد وصلوا إلى نقطة أخرى عما هم عليه حالياً. لقد تعثّر المصريون في ما يتعلق بالعلمانية. ونحن ندرك الميزة الكبيرة التي نتمتع بها في تركيا العلمانية حينما ننظر إلى ما يحدث في مصر.
إن العلمانية توصل إلى نتائج مختلفة. إن العلمانية راسخة في الدستور التركي. والأمر ليس كذلك في البلدان العربية. ولم تنجح تلك البلدان (على هذا الصعيد) حتى بعد الربيع العربي.

‎إذاً، العلمانية هي العنصر الرئيسي الذي يميّز تركيا عن بلدان المنطقة الأخرى؟
‎حتماً، وكذلك القرار الإستراتيجي الذي اتخذه السيد عبدالله غول‫.‬
‎في ذلك الوقت، أجرينا استطلاعاً للرأي العام تبيّن منه أن ٤٦ بالمئة من الناس كانوا غير مقتنعين بالأحزاب القائمة‫.‬ وأظهر الإستطلاع أن شعبية ‫"‬حزب الفضيلة‫"‬ انخفضت من ٢٣ إلى ١٣ بالمئة‫.‬
‎وحيث أن الحزب كان منقسماً على نفسه، فقد كان بوسعنا، نحن الإصلاحيين، أن نسعى لاستقطاب نصف جمهور الحزب، سوى أننا قرّرنا أن نسعى لاستقطاب الـ٤٦ بالمئة من الرأي العام التركي الذي لم يكن مقتنعاً بالأحزاب القائمة‫.‬ وأنا واحد من ٦ أشخاص قاموا بكتابة برنامج الحزب الذي لم يتضمن أي إشارة إلى الدين‫!‬
‎وقد أظهرت إستطلاعات الرأي أن كثيراً من الناس كانوا يعتبرون البطالة والأمن كمشكلات رئيسية في البلاد‫.‬ وفي حين كان هنالك نقاش حاد حول موضوع الحجاب في تلك الحقبة، فإن استطلاعات الرأي لم تخبرنا بأن موضوع الحجاب كان يشكل أولوية بالنسبة للرأي العام‫.‬
‎لقد كتبنا برنامج الحزب إستناداً إلى ما خلصت إليه استطلاعات الرأي العام‫.‬
‎وقد فزنا بالإنتخابات بنسبة ٣٤ بالمئة‫.‬ وقد سعينا للوصول إلى الهدف الصحيح عبر القيام بعملية هندسة سوسيولوجية‫.‬ ولو قامت بلدان الربيع العربي بمثل تلك الهندسة السوسيولوجية، ولو قرأت تطلعات شعوبها بصورة صحيحة، لكانت وجدت نفسها في وضع مختلف الآن‫.‬
‎ولكن العلمانية ليست ‫"‬شعبية‫"‬ في المنطقة‫.‬ بل كان هنالك رد فعل من الإخوان المسلمين حينما تطرق رئيس الحكومة، طيب إردوغان، عن العلمانية أثناء زيارته لمصر؟
‎ذلك يظهر المسافة الكبيرة التي قطعناها نحن‫.‬

‎ما رأيك برد فعل تركيا الرسمية على ما حدث في مصر؟
‎كان ردّ الفعل جيد جداً‫.‬ فقد تصرف رئيس الحكومة طيب إردوغان كقائد مسؤول، فانتقد ما حدث وتوقف عند ذلك الحد‫.‬ وأنا أخشى أن نواجه نفس المصاعب التي واجهناها في سوريا إذا ما تجاوزنا ذلك الحد وشرعنا بمساعدة الإخوان المسلمين ‫(‬المصريين‫).‬ إن المصريين هم وحدهم من يقرر من الذي سيحكم بلدهم‫.‬ ومحاورنا هو الطرف الذي يتم الإعتراف به بصفته الدولة المصرية‫.‬ إن السفير المصري في أنقرة يأخذ تعليماته من الجيش المصري، وليس بوسعنا أن نقول له ‫"‬نحن لا نعترف بك‫"!‬
‎ما هو نوع العلاقة القائمة بين ‫"‬حزب العدالة والتنمية‫"‬ التركي و‫"‬الإخوان المسلمين‫"‬؟
‎إنهما يحملان نفس النظرة للعالم‫.‬ ومن الطبيعي إذا أن يقف الواحد منهما إلى جنب الآخر‫.‬ تماماً مثلما تلتقي الأحزب المسيحية الديمقراطية الأوروبية تحت مسمّى ‫"‬حزب الشعب الأوروبي‫"‬ داخل البرلمان الأوروبي‫.‬

مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2+subscribe@googlegroups.com - أرشيف الرسائل

3



أبو الهول يضع سوريا نصب عينيه



بقلم:  ام .كي.بهاداركومار ـ
سفير الهند الأسبق لدى تركيا.



ترجمة ــ سناءعبد الله




 

 JULY 19, 2013


 

يتزايد الاعتقاد بأن حل اللغز المصري سيأخذنا جميعا الى سوريا، حيث يبرز السؤال الملح بشأن مدى علاقة الانقلاب الذي قاده الجيش في مصر باعادة تركيب العلاقات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، أو على العكس، انْ كان الانقلاب بحد ذاته يشكل بداية لتحولات جذرية سوف تبدأ تفاعلاتها مع الوقت.

وتشير الاحداث المتتالية التي وقعت هذا الاسبوع الى أن الاحتمال الثاني ذا الصلة بالتحولات الجذرية هو المرجح. ولا بد من التأكيد في هذا الصدد بأن ما حدث في الاسبوع الماضي كان أمرا استثنائيا، حتى في معايير الشرق الأوسط. ويذكر في هذا الصدد، أن عبارات تأييد قوية صدرت من الولايات المتحدة وحليفاتها في منطقة الخليج العربي لصالح الجيش المصري، والتي بدورها وفرت دعما سياسيا لشن المجلس العسكري أعمال قمع وحشية ضد الاخوان المسلمين، الأمر الذي ستكون له تداعياته على الربيع العربي بأكمله. 

وقد تأتي التفاتة روسيا الى المجلس العسكري في مثل هذا الوقت كمفاجأة كبيرة، بيد أنها تبقى تعبيرا متمماً للاستراتيجية الروسية في سوريا، الامر الذي يعكس الشكوك الروسية حيال الربيع العربي . ويلاحظ أيضا ازدياد عزلة قطر وتركيا وايران على رقعة الشطرنج الاقليمية خلال الاسبوع الماضي، فيما بدا المجلس العسكري في القاهرة وكأنه يعاقب هذه البلدان لتصرفها وكأنها حكم أو صانع للرأي العام في المسائل المتعلقة بالوضع الداخلي المصري. ويبدو أن هذه الدول الثلاث كانت ضالعة بعمق في الشأن السوري كذلك. وفي هذه الأثناء، لم يكن بوسع الانفتاح الاسرائيلي والقبول بقوات حفظ السلام الروسية على مرتفعات الجولان أن يطفو على السطح خلال الاسبوع ما لم يكن هناك رضوخ أمريكي، أو حتى قبول أمريكي. كما أن توقيت التغيير الحاصل في قيادة حزب البعث الحاكم في سوريا والتحالف الوطني السوري لا يمكن أن يكون مجرد صدفة. وهناك خلفية لكل هذه الأحداث، لئلا تغيب معانيها وسط الانقلاب العسكري غير المنسجم مع هذه الاحداث، تتجسد في فوز حسن روحاني اللافت في انتخابات الرئاسة الايرانية وما يعد به هذا الحدث من انفراج مرتقب في العلاقات السعودية. 

حدث بارز


لو كان لنا أن نحدد حدثا بارزا من بين الأحداث السياسية التي تدفقت في آن واحد على المنطقة، فلا بد أن يتجسد ذلك بزيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الى المملكة العربية السعودية في الخامس والعشرين من حزيران الماضي، تلك الزيارة التي شملت جولة اقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وتضمنت مبادرة دبلوماسية تتعلق بالشأن السوري. فبعد مرور تلك الايام، أصبح واضحا اليوم بأن العمل كان جاريا للاعداد للانقلاب العسكريفي مصر منذ أواخر شهر حزيران وأن الولايات المتحدة كانت قد دخلت في نقاشات معمقة مع القيادة العسكرية في القاهرة بخصوص الانتقال السياسي في مصر. ومن دون أدنى شك، ان محادثات الوزير كيري مع القادة السعوديين لم يكن لها أن تغفل الغيوم المتلبدة في سماء مصر.

في هذه الأثناء، بطبيعة الحال، كان العاهل السعودي الملك عبد الله أول زعيم عالمي يهنئ بالاطاحة بالحكومة المصرية في الثاني من تموز، بعد ساعات قلائل من تكشف أنباء الانقلاب، وكأن الرياض كانت قد أعدت موقفها متوقعةً الحدث. ويتضح ثانية هنا بأن السرعة التي أعلنت خلالها كل من المملكة العربية السعودية ودولة الامارات، وفي آن واحد، في يوم الأربعاء، عن تقديم صفقة مساعدات بقيمة ثمانية مليارات دولار الى مصر توحي بأن خطة الانقلاب كانت معدة أساسا بالتشاور مع الولايات المتحدة. وقد قامت الولايات المتحدة بعد ذلك مباشرة بتسريب نبأ الى وسائل الاعلام يفيد بأنها ستمضي قُدماً في تزويد الجيش المصري بطائرات اف 16 المقاتلة مما يعني أنه على الرغم من تظاهر ادارة الرئيس أوباما باتخاذها موقف موارب من الأحداث، فإن وقف الدعم العسكري هو آخر أمر تفكر فيه. ومما يثير الحيرة، هو أن زعيما اقليميا آخر قرر الترحيب بالانقلاب، الى جانب الملك عبد الله، ألا وهو الرئيس السوري بشار الأسد، وهو الموقف الذي لم يكن بدوره عملا منعزلا.

ففي يوم الاثنين، أعلن الأسد تغيير كافة أعضاء قيادته القطرية الذين كانوا في السلطة منذ سنة 2005، فاسحا المجال لتدفق دماء جديدة الى الحكم. وقد استبدل أولئك الأعضاء بجيل جديد من القادة، بما في ذلك دبلوماسيون سابقون. وكان من بين الوجوه الجديدة رئيس البرلمان جهاد اللحام ورئيس الوزراء وائل الحلقي. وفي مقابلة أجرتها معه الصحيفة الناطقة بلسان حزب البعث السوري، أوضح الاسد بأن هؤلاء القادة اخرجوا من مواقعهم لأنهم ارتكبوا أخطاءً أثناء عملهم. وأضاف الأسد عندما يفشل القائد في حل سلسلة من الأخطاء، عليه أن يتحمل المسؤولية ، دون أن يوضح المزيد.

وبطبيعة الحال، واصل الاسد احتلاله موقع الأمين العام للحزب، بوصفه القائد الوحيد الذي لم يرتكب أية أخطاء. وجدد الرئيس الأسد في المقابلة ذاتها مع صحيفة الحزب انتقاده للاخوان المسلمين قائلا أنهم يستغلون الدين كغطاء.. ويعتقدون بأنهم انْ لم تتفق معهم سياسيا فان ذلك يعني أنك لا تقف الى جانب الله . ويحاول الاسد جاهدا أن ينقل رسالة الى شعبه مفادها بأنه يستجيب لمعاناتهم ذات الصلة بالمشاكل الاجتماعية مثل التضخم وتدهور الأمن العام. غير أن الحقيقة تبقى بأنه يعمل على تعزيز قبضته على الحزب الحاكم في وقت تشهد فيه الأوضاع في سوريا تطورات هامة على الصعيد السياسي، في ضوء المأزق العسكري وتوقع كافة اللاعبين السوريين والأجانببحتمية الحوار السياسي خلال الاشهر العديدة المقبلة. على صعيد مواز، يتعين ملاحظة بأن طرد أعضاء حزب البعث يتزامن مع التغيير الحاصل في الائتلاف الوطني السوري.

ويذكر في هذا الصدد أن الرئيس الجديد أحمد الجربا هو مرشح السعودية والولايات المتحدة ويتمتع بسمعة كونه زعيم عشائري علماني التفكير. وعقب انتخاب الجربا، قدم رئيس الوزراء ورجل الأعمال القادم من أمريكا غسان هيتو استقالته، بعد أن كان قد حظي بدعم قطر وتركيا والولايات المتحدة لدى تعيينه في آذار الماضي. خلاصة الأمر، ان التغييرات في الائتلاف الوطني السوري تدل، كما هو الحال في مصر، على صعود للنفوذ السعودي وتراجع للمحور القطري التركي. وقد تعرض النفوذ الذي يحظى به الاخوان المسلمون داخل الائتلاف الوطني السوري الى تراجع. ويبدو واضحا أن الولايات المتحدة تدعم صعود النفوذ السعودي داخل الائتلاف السوري كما هو الحال في مصر.

زوال الإسلاموية


ما خطة اللعبة السعودية؟ الأمريكية؟ في هذا السياق، يتعين العودة الى ما جاء في خطاب العاهل السعودي بمناسبة حلول شهر رمضان، وكلمة ولي العهد يوم الأربعاء، حينما قال لن نسمح للدين بأن يُستغل من قبل المتطرفين الذين لا يسعون الا لخدمة مصالحهم الشخصية، والذين يلحقون الضرر بسمعة الاسلام . هذا وقد جاء في كلمة العاهل السعودي بأن السعودية ستبقى، بعون من الله، المدافع عن الاسلام..وسنواصل سياستنا الوسطية، ونهجنا المعتدل . من الواضح بأن السياق العام لهذه الانتقادات اللاذعة موجه الى الإخوان المسلمين في كل من مصر وسوريا، والداعمين الأساسيين للحركة في المنطقة، وتحديدا قطر وتركيا. من جانبه، سيجد بشار الأسد خطاب العاهل السعودي بمناسبة شهر رمضان مقبولا تماما.

ولن يكون بوسعه سوى أن يشاطر العاهل السعودي رؤيته والتي تشاطرها أيضا الولايات المتحدة وروسيا بأن شبح الاسلام المتطرف الذي يخيم على مصير بلاده هو جوهر المشكلة في الوقت الحاضر. ولم تغب، من دون أدنى شك، هذه الموجات المتلاطمة في السياسات الاقليمية عن أعين موسكو، مما دعا الكرملين ألا يفوت الفرصة تمر دون أن يبعث برسالة الى المجلس العسكري المصري. الى ذلك، قال وزير الخارجية سيرجي لافروف يوم الخميس اننا نأمل بنجاح جميع المبادرات التي صدرت عن المجلس العسكري الرامية الى استئناف الحوار الوطني والعمل على تحقيق الاستقرار في الاوضاع وتنظيم الانتخابات الحرة.

وقد تغاضى لافروف بكل بساطة عن حقيقة أنه كان يتحدث في وقت كان فيه الجيش المصري يضطلع بعمليات قمع ضد الاخوان المسلمين. ومضى لافروف الى اقتراح عودة العلاقات الطبيعية بين موسكو والقاهرة، وتأكيده أن الاولوية بالنسبة لموسكو تكمن في أهمية مصر في ضمان الاستقرار الاقليمي في العالم الاسلامي. أضاف لافروف، بخصوص مشاريع التعاون الاقليمي مع مصر، فانها تهدف الى تحقيق التعاون بين البلدين وشعبيهما، وأن تنفيذها سيعود بالفائدة على شعبي البلدين. وقال لافروف، نحن في روسيا نريد ضمان الاستقرار في مصر وفي المنطقة برمتها، وبعكسه فأن الاخطار ستكون كبيرة في المنطقة التي تحتل فيها مصر موقعا رئيسيا. ان مستقبل تطورات الأحداث في المنطقة والعالم الاسلامي بوجه عام سوف يعتمد على الوضع في مصر. هذه هي الواقعية السياسية تتجلى في أفضل صورها. لقد عرض لافروف موقفه بكل صراحة، ومن دون التلميح بأنه يتدخل في الشؤون الداخلية لمصر، حيث أوضح للقيادة الجديدة في مصر، ولعدد من الدول الاقليمية مثل السعودية وايران وقطر وتركيا واسرائيل، على وجه الخصوص، و المجتمع الدولي ككل بأن روسيا هي أبعد ما تكون عن مشاعر الاستياء بشأن تطورات الأحداث في مصر وتداعياتها المحتملة على الأمن والاستقرار الاقليميين. ويُعتقد بأن موسكو، التي لم تتخلّ يوما عن شكوكها المتجذرة بالاخوان المسلمين، قد تشعر بأن رياح التغيير مواتية تماما للسعي لتحقيق مصالحها الخاصة بما ينسجم مع تقييمها للربيعالعربي .

وفي هذه الاثناء، ذكرت صحيفة الشرق الأوسط السعودية يوم الأربعاء بأن اجتماعا عُقد بين لافروف ووزيرة العدل الاسرائيلية تزيبي ليفني أشارت خلاله الأخيرة الى أن اسرائيل قد تسمح بوجود جنود روس يمثلون قوات حفظ السلام تحت لواء الامم المتحدة فوق مرتفعات الجولان شريطة أن توقف موسكو تسليم سوريا صواريخ اس ــ 300 المتطورة المضادة للطائرات. وكان الرئيس بوتين قد اقترح الشهر الماضي أن تحل بلاده محل قوة المراقبين البالغ عددها 1100 جندي المكلفة بفض الاشتباك في الجولان. ولميصدر أي نفي من موسكو أو تل أبيب للتقرير الذي جاء في الصحيفة السعودية. واذا ثبتت صحة ما جاء في التقرير، كما يبدو ذلك مرجحا، فان ذلك لن يكون مجرد حدث متزامن مع التحولات الواسعة التي تجتاح المنطقة لكنه يكشف أيضا عن نمط مثير وجديد للتحالفات الاقليمية التي ستشمل اسرائيل وسوريا مع الولايات المتحدة وروسيا بوصفهما أصحاب المصلحة، وهو أمر لم يكن ليتخيله أحد من قبل.ويتضح أيضا، في هذا السياق، أن الأحداث في مصر تضع في الوقت نفسه دولا مثل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية واسرائيل وروسيا في معسكر واحد.

ويبدو أن جميع الأطراف الأربعة الفاعلة هذه مستعدة للرهان على أن الانقلاب المثير للجدل الذي وقع في مصر سوف يفضي في نهاية المطاف الى استقرار الأوضاع في تلك البلاد بل يعزز الحكم الديمقراطي. ويتفق هؤلاء اللاعبون السياسيون الأربعة بأنه قد تبين لهم أن الاسلام السياسي هو المستفيد غير المرحب به في الربيع العربي . في الواقع، ومن خلال المقاربة المصرية، كما ألمح بذلك العاهل السعودي في خطابه بمناسبة شهر رمضان، يبدو أن مشاكل كبيرة تنتظر الحركات الاسلامية في المنطقة ككل، بما في ذلك مجموعات المتمردين السوريين.

وكما لخص سفير اسرائيل السابق لدى الولايات المتحدة، زالمان شوفال، في مقالة له نشرتها صحيفة جيروسليم بوست تحت عنوان الفجر الجديد على النيل ، قائلا بعد الأخذ بكل الامور في عين الاعتبار، فان الزوال المحتمل للاسلاموية بوصفها قوة سياسية رئيسية في أجزاء من العالم العربي، على أقل تقدير، قد يفضي في نهاية المطاف الى أوضاع أكثر علمانية، وواقعية، وأقل تحجرا عقائديا وأكثر تسامحا، في الدول المجاورة لاسرائيل. يمكن القول اجمالا، ان الصراع المنتظر في مصر، والانعطافات المتوقعة في الوضع السوري خلال الاشهر المقبلة لن يكون لها أوجه شبه مذهلة فحسب، بل قد تكون مترابطة أيضا.


سفير الهند الأسبق لدى تركيا.
صحيفة آسيا تايمز

مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2+subscribe@googlegroups.com - أرشيف الرسائل

4



سيادة الأمم ما هي؟


أبو يعرب المرزوقي


منزل بورقيبة في 2013.07.21

 

 

من البيّن أن شباب الثورة فتيات وفتيانا لم يبق لديهم شك في طبيعة الرسالة ولا في طبيعة قيادة المسيرة التي تسعى لتحقيقها. لذلك فلن نطيل في الكلام على الرسالة ولا على القيادة. سنكتفي بالتذكير السريع بمقوماتهما لنحدد طبيعة الأدوات المباشرة والأدوات غير المباشرة للفاعلية السياسية عامة ولما تعبر عنه من إرادة الأمة إذا كانت ممثلة لها. والهدف هو تمكين قيادات الثورة الشابة من وضع خطط ومنهجيات تحقق هذه الرسالة بأقل كلفة أعني بمنطق اقتصاد الفعل المستند إلى النظر المتمعن في طبائع الأشياء وقوانينها.


فقد يغفل الكثير عنها لتصوره الفعل السياسي مجرد ارتجال واضطراب فوضوي فيؤول به الأمر إلى اليأس والإحباط لعدم حصول الثمرة فلا يتقدم الساعي إلى غايته.


ومع ذلك قد يعتقد أن الظرف لا يناسب الكلام النظري المغني عن الارتجال لتقديمه العلاج العملي ظنا أن الطب الاستعجالي يمكن أن يكون كافيا للعلاج.


 لكننا بيّنا في محاولة سابقة أن العرب شرعوا في تجاوز رد الفعل أو على الأقل رد الفعل المرتجل الناتج عن الجهل بعلل الأشياء. فما يجري ليس سيبة بل هو خاضع لسنن يمكن بعلمها أن يكون العمل بآية إعداد ما نستطيع للردع قوة عامة وقوة عسكرية عملا مؤثرا وليس رد فعل مرتجلا. لذلك فمراوحتي بين علاج الظرفي وعلاج البنيوي هي التي تحكم هذه المحاولات التي أساهم بها في الثورة بما يقتضيه سني واختصاصي[1].


فإذا تمكن شباب الثورة من فهم آليات العمل المؤثر في الأحداث السياسية وتحرر من الدعايات التي يرددها زعماء التثبيط والإحباط فإنه سيدرك أن الفكر الإسلامي ليس فقيرا في مجال تحليل طبيعة الفاعليات السياسية بل هو غاص إلى عمق أعماقها فوضع نظريات شديد الدقة والنجاعة في بناء شروط الدولة العادلة. وبمثل ما يمكن استخلاصه من تحليل هذه الفاعليات يمكن إعداد شباب الثورة لتحمل مسؤوليات الدولة المصالحة بين قيم القرآن الكريم وقيم العقل السليم فيؤثروا تأثيرا فاعلا ويتحرروا نهائيا من رد الفعل.


               رسالة الربيع العربي ما مقوماتها ؟


فالرسالة هي كما اتضحت بالتدريج خلال القرنين الأخيرين أعني قرني مقاومة الاستعمار التي بلغت الآن ذروتها ففرزت عملاءه بصورة لم يعد فيها جدال كما نرى ذلك في ما يجري في حقائق ميادين القاهرة الثائرة وأكاذيب استوديات الإعلام البائرة: إنها استئناف الأمة لدورها في التاريخ الكوني من قيمها الكونية تحريرا للإنسان وتكريما له ومحددات منزلتها الذاتية لها في تاريخ المعمورة أعني:


 1-مكانها (الوصل بين القارات بصورة لا تقبل التعويض).


2-زمانها (مبدأ الوصل بين ماضي البشرية ومستقبلها بصورة لا تتوقف).


3-سلم المنازل التي حددها القرآن شرطا في الأخوة البشرية (نبذ كل تمييز).


4-ودورها في الدورة المادية لشروط حياة البشرية المادية (بسبب مكانها).


5-ودورها في الدورة الرمزية لشروط حياة البشر الروحية (بسبب زمانها).


إن الوعي الدقيق بذلك كله عند المؤمنين بها أفرادا وجماعات له من الصلابة والعمق ما جعل العدوان عليها لم يتمكن من إفقاده فاعلية التحريك التاريخي رغم امتداده على قرون بل هو زاده حدة إلى أن بلغ ذروته في الثورة الأخيرة التي تركزت الآن في موطن الصمود –مصر-منذ سقوط بغداد تحت هجمات المغول بعد هجمات الصليبية. وهو بحق الموطن لأنه هو الذي تمكن من توحيد الأمة لتصد هاتين الهجمتين وهو الآن يعد الأمة للتغلب على الهجمة الجامعة بين البربريتين المجانستين للمغولية والصليبية في آن أعني دولة تمثل روحانية الغرب الصليبية (إسرائيل) ودولة تمثل ماديته المغولية (الولايات المتحدة).

 

 

                 القيادة الرشيدة كيف تكون؟


من سخافات أدعياء التحديث وغباوتهم أنهم يتجاهلون أن العدوين الساعيين لمنع الأمة من استئناف دورها الكوني دون عدوان على أحد بل بالاقتصار على إرادة التحرر والمناعة الذاتية أساسهما ديني إن لم يكن في واقع الأعيان ففي واقع الأذهان:


فإسرائيل تريد استعادة ما تزينه لهم خرافات التوراة من أرض موعودة ومن ثم فأهدافها ووسائل تحقيقها كلها مستوحاة من التوراة. لكن أدعياء الحداثة لا يقرأون وما أظن أحدا منهم فتح الكتاب المقدس أو حتى أدبيات تأسيس إسرائيل وسر هيمنتها على الفكر الغربي الحالي الهيمنة التي يرمز إليها إعادة تعريف الهوية الحضارية لأوروبا بكونها حضارة مسيحية يهودية وذلك منذ ما يسمى بالإصلاح والعودة إلى العناية بالتوراة أكثر حتى من الإنجيل.


والولايات المتحدة يسميها من يسمون بالآباء المؤسسين بالأرض الموعودة الجديدة وهي تعتمد على هذه العودة للتوراة أساسا للعقائد وخاصة لفلسفة التاريخ استئنافا للتاريخ الديني الشرقي. ولعل ذلك قد تأكد خاصة في آخر صيحات هذه النزعات أو ما يسمى بالمسيحية الصهيونية. ولولا مثل هذه الإيديولوجيا وكل ما تقدم عليها كان من جنسها حتى وإن لم يكن بصراحتها لما أمكن للسند الأمريكي لإسرائيل أن يكون بهذا الحجم مهما ضخمنا من الوظيفة التي تؤديها في الخطط الاستعمارية وفي حماية المصالح الغربية في منطقتنا وخاصة حماية الأنظمة والنخب العميلة ضد شعوبهم.


لكن المغالطة التي يعتمد عليها السطحي من نخبنا ليست ناتجة عن جهل بهذين الأمرين فحسب بل هي ناتجة عن تجاهل حتى عند النخب المخلصة للأمة تجاهلها لطبيعة هذا الفكر أو بصورة أدق لسر فاعليته وتأثيره: فليس هذا التأسيس الديني مقصورا على الدين بمعناه الغفل والساذج عند من يسمون علماء دين أعني من ثقافتهم لا تتجاوز الأدعية والأذكار وكثرة الصياح من المساء إلى الصباح. حتى بات رجل الدين المسلم أشبه ما يكون بسحرة الشعوب البدائية متصورا أن الدعاء والصياغ قابلان للتأثير في الأحداث والوقائع تشويها لمفهوم الإيمان الذي حطوا من شأنه فصيروه أشبه بالخرافة والأسطورة.


المغالطة هي نسيان أمر جوهري حصل في ما يسمى بالإصلاح بأبعاده التي يتأسس عليها سلطان الغرب في كل المجالات باعتباره فهما لما هو أصل لسيادة أي أمة سادت التاريخ الكوني وخاصة لسيادة المسلمين الذين كانوا في مواجهة مباشرة معهم على أرضهم ثم على أرضنا ثم فقده المسلمون خلال الانحطاط اذا ما استثنينا ما بقي لهم ولله الحمد من سلطان الرمز الروحي الذي يبقي على الطموح التاريخي في وجدان الأمة فيجعل الاستئناف ممكنا. وهذا النسيان أو التناسي مشترك بين الأصلاني والعلماني من نخبنا:


فالأول يدعي أنه علينا أن نؤسس نهضتنا على إحياء الدين هكذا بصورة مجردة ليجعل الإحياء عودة إلى مفهوم منحط يخلط بين قيم القرآن وتخريف شطحات بدائية لا علاقة لها بالدين في معناه القرآن والسني.


والثاني يدعي أنه علينا أن نؤسس نهضتنا على بلع الحداثة هكذا بصورة مجردة ليجعل التحديث نسخا ومسخا منحطا يخلط بين قيم العقل وتخريف وشطحات أفنجاردية لا علاقة لها بالعقل في معناه الفلسفي والتجريبي.


كلام ينسى أن الإصلاح لم يكن إصلاحا دينيا بمعنى النقد الديني كما يصوره السحطيون عندنا ممن يمضغ مبتذلات الفكر الغربي دون فهم ولا تبصر "لتعلطهم" على ما ليس لهم به علم. فيكونون بذلك أكبر معطلي التحديث المبدع لأنهم يشوهون الحداثة أكثر مما يشوهون الدين الذي يتصورون أنفسهم ناقديه. إنما الإصلاح- مثله مثل ما تقدم عليه من إصلاحات وأرقاها الإسلام نفسه الذي يعرف نفسه بكونه إصلاحا لتحريفات الأديان المتقدمة عليه- قد كان اكتشافا لسر الروحانية الفاعلة في التاريخ الإنساني ما هو. إنه العلاقة المحققة للتكامل بين تعبيرات الوعي الديني أعني:


 علاقة التكامل بين الكلام والفلسفة نظريا

علاقة التكامل بين التصوف والفقه عمليا

ومن ثم علاقة التكامل بين العمل والنظر.


وهذه العلاقة التكاملية الجامعة هي طبيعة التكامل بين العلم والإيمان شرطا للتكامل بين الفلسفة والكلام (ولعل رمزه الأرقى هو لايبنتس) وطبيعة التكامل بين القانون والأخلاق (ولعل رمزه الأرقى هو كنط) شرطا للتكامل بين الفقه والتصوف (ولعل رمزه الأرقى هو هيجل) ومن ثم فهذان التكاملان هما شرطا بناء التكامل العضوي المتخلق بين أفراد الجماعة الحية فتحقق الثورتين العلمية شرطا في التعاون النافع للسلطان على الطبائع وتسخير الطبيعة والقانونية شرطا في التعاوض العادل للسلطان على الشرائع وتسخير التاريخ بوصف التسخيرين النافعين والعادلين تحقيقا للثورتين الإيمانية أساسا للعلاقة بين الإنسان وربه وللعلاقة الخلقية أساسا للعلاقة بين الإنسان والإنسان.


وتلك هي القيم التي على ثورتنا أن تربي عليها الشباب فتيات وفتيانا حتى يؤدوا الأمانة فيعيدوا للأمة شروط مناعتها وقدرتها على أداء رسالتها. ولما كان الإيمان والأخلاق لا يكونان من دون ضمير شخصي مدرك لعلاقة التكامل الإيماني والخلقي بين العلم والقانون فإن العلاقة المؤسسة للثورة التي تبني الدول المؤثرة والقوية هي العلاقة بين الشخص المؤمن والمتخلق والجماعة ذات العلم والقانون العلاقة المبنية على الإيمان بأن العلم هو أساس سيادة الإنسان وعلى الأخلاق بأن القانون هو أساس تنظيم هذه السيادة: وهذا هو بالتدقيق البين مفهوم سورة العصر إذ إن الإيمان (نظر) والعمل الصالح (عمل) صفتين للفرد مشروطان بصفتين للجماعة  هما التواصي بالحق (نظر) والتواصي بالصبر (عمل) .


لذلك فالقيادة ينبغي أن تكون للإيمان بالعلم ولأخلاق القانون أعني للتحرر من الفصام الذي يجعل الفقه (العميل الظاهر للفساد والاستبداد في الغالب) والتصوف (العميل الخفي للفساد والاستبداد في الغالب) عمليا والكلام (مصدر كل الفتن العملية) والفلسفة (مصدر كل الفتن النظرية) نظريا يجعلها فنون حرب أهلية بدلا من أن تكحون أدوات بناء للجماعة المتصفة بالصفات المقومة للذات البشرية السيدة الصفات التي هي في آن نزر قليل من صفات الذات الإلهية أعني:


صفة الإرادة الحرة

وصفة العلم المستنير

وصفة القدرة الفاعلة

وصفة الحياة المبدعة

وصفة الوجود القائم بذاته وغير التابع

 

فيتم بذلك شرط التحرر من الفصام المنتج للفتن العملية والنظرية حتى يتحقق الوصل الدائم بين النظر والعمل الأول للتخطيط والتصويب والثاني للتحقيق والتجاوز وذلك هو جوهر الخطاب القرآني:


فلا معنى لمتكلم كلامه خواء في خواء لأنه غير مصحوب بالإيمان بحقيقة العلم أداة لتحقيق استعمار الإنسان في الأرض وشرطا في كونه عبودية لله لأن العلم بالمصنوعات المخلوقة يمكن من فهم حكمة الصانع الخالق فيمتن الإيمان ويضفي على العلم شيئا من التواضع والخشية والورع.


ولا معنى لفقيه كلامه غير مصحوب بالإيمان بالقانون أداة لتحقيق استخلاف الإنسان في الأرض شرطا في جعلها مطية للآخرة من خلال تحقيق العدل والحرية والمساواة بمقتضى سلم المنازل التي حددها القرآن شرطا للأخوة البشرية (الآية الأولى من سورة النساء).



             الوسائل المباشرة وغير المباشرة


بعد هذا العرض السريع لطبيعة الرسالة ولطبيعة القيادة علينا أن نحدد طبيعة الوسائل المباشرة وطبيعة الوسائل غير المباشرة التي تبين الآن هي وسائل من أو ماذا: إنها وسائل تحقيق سيادة الجماعة على مصيرها وعلى شروط بقائها. وينبغي أن يكون هذا التحديد منطلقا من التجربة البشرية وتطابقها مع ما يقره العقل والنقل في آن. فالوسائل التي تعمل به مؤسسات أي جماعة لتحقيق رسالاتها ليس ما فيها من خصوصي هو الأهم بل الأهم هو ما فيها من كلي وكوني. وهذا الكلي والكوني هو ما يقره العقل والنقل لأن الأول يستقرئ التجربة العلمية وتطبيقاتها وينبني نماذج نظرية لاستكمالها بالاستنتاج المنطقي الشكلي للمثل العليا التي تعللها أمام فهم الإنسان المختص والثاني إن صح أن نموذجه السوي هو القرآن الكريم فهو أيضا يستقرئ التجربة العملية وتطبيقاتها ويبني نماذج عملية لاستكمالها بالاستناج المنطقي العيني للأمثال العليا التي تقربها لفهم الإنسان العادي.

 

 

                    الوسائل المباشرة ما هي؟


الوسائل المباشرة هي إذن شبه معلومة للجميع: إنها ما يسمى بوزارات السيادة. لكن المجهول من هذا المفهوم هو مطلبنا الأساسي في هذه المحاولة. فهذه الوزارات تذكر عادة وهي أربعة في العرف الجاري: العدل والداخلية والدفاع والخارجية. والمجهول هنا هو لماذا هي كذلك وما علاقة إحداها بأخراها وهل هي بهذه العدة أم إن وزارة السيادة الأساسية مسكوت عنها وهي الأساس التي تعود إليه شروط قيام تلك الوزارات الأربع بوظائف على أحسن الوجوه. ولنبدأ بتعريف هذه الوسائل تعريف رسم تقريبي لا تعريف حد جامع مانع: فهذه الوسائل المباشرة هي إذن أيسر الأمور رسما لأنها قابلة للاستنتاج من التعريف الجامع المانع للدولة. فهي أدوات فعل الدولة بما كانت طبيعة الدولة هي الكائن المجرد القائم في الأذهان كفكرة في الأعيان كمنظومة مؤسسات مادية (الإدارة) ورمزية (القوانين والأعراف) الكائن المعنوي الذي ينوب الجماعة بتوسط من كلفته بإدارتها لمدة معينة في تحقيق شروط بقائها المادية والرمزية بآلتين مادية (العنف الشرعي) ورمزية (اللطف الشرعي). وتسمى هذه الأدوات عادة وزارات السيادة:


وزارة العدل

وزارة الداخلية

وزارة الخارجية

وزارة الدفاع


فإذا أدرنا طبيعة العلاقة بينها زوجين اثنين زوجين اثنين فهمنا الوزارة الناقصة في هذا العرض المعتاد لأدوات فاعلية الدولة المباشرة. فوزارة العدل وظيفتها تحكيم القانون الخاص بالعلاقات بين المواطنين أو بينهم وبين مؤسسات الدولة والقائمين عليها. ووزارة الداخلية وظيفتها تمكين وزارة العدل من تطبيق القانون وقاية وعلاجا.


ونفس النسبة نجدها بين وزارة الخارجية ووزارة الدفاع. فالأولى وظيفتها الاحتكام للقانون الدولي لحماية مصالح الجماعة والمواطنين المنتسبين إليها في علاقتهم بالدول الأخرى ومواطنيها ووزارة الدفاع وظيفتها تمكين وزارة الخارجية من تطبيق إرادة الجماعة عندما يعجز القانون على حسم العلاقات.


فتكون العلاقة في الحالتين هي علاقة الفعل المادي بالفعل الرمزي. فالفعل الرمزي هنا هو قانون وطني أو دولي هو نظام رمزي ومعياري ينظم العلاقات إما في الداخل أو مع الخارج. والفعل المادي هنا هو تحقيق شروط تنفيذ القانون سلما أو حربا. لكن هذه العلاقة لا بد فيها من وسيط ينقل من أحد حديها إلى حدها الثاني. وهذا الوسيط ينبغي أن يكون شرط فاعلية كلا الفعلين الرمزي والمادي: إنه الاستعلام والإعلام أداتين من طبيعة واحدة ذات وجهين دفاعي يغلب على الأول وهجومي يغلب على الثاني.


فلا يمكن لوزارتي الداخلية والدفاع أن يكونا قادرين على الفعل إذا لم تتوفر لهما المعلومات الصحيحة على ما يتعلق به الأمر. ولا يمكن لهما أن يكون دورهما مقصورا على التلقي بل عليهما أيضا أن يبثا معلومات. وغالبا ما يكون ما يبثانه هادفا للمغالطة. ومن ثم فالوزارة المسكوت عنها هي وزارة الاستعلام والإعلام التي لا يمكن لأي دولة ذات سياسة تحكمها الخطط العقلية أن تخلو منهما. وهذه الوزارة ذات الرأسين هي التي ينبغي أن تكونا أداة لوزارتي الداخلية والدفاع ولكن تحت رعاية وزارتي العدل والخارجية: ذلك أن فاعلية الرمز التلطيفية من شروط فاعلية المادية التعنيفية. تلك هي وزارة السيادة الخامسة التي تجعل المعلومة أداة ملتبسة يمكن أن تخدم الحقيقة وأن تخدم الباطل ومن ثم فهي مخ الدولة الذي ينبغي أن يبقى دائما خاضعا لإرادة الجماعة لأن كل الأمراض التي تصيب جسد الأمة مصدرها الاستعلام والإعلام.


                   الأدوات غير المباشرة


إن الأدوات المباشرة ليست مباشرة إلا من حيث دورها في الوظيفة الوقائية والعلاجية لفاعليات الدولة. إنها إذن أدوات سلبية بالمعنى الفلسفي للكلمة: فهي تقوم بوظيفة التصدي لفشل أو لعدم انتظام الفاعلية الموجبة للدولة والجماعة في الداخل أو في الخارج حسما للخلافات التي تحصل في مجرى الفاعليات التي سميناها غير مباشرة سلبا لأنها لا تظهر إلا في حالة الفشل وتكون من المسكوت عنه عندما تقوم بوظائفها على أحسن ما يرام. ولتقريب المعنى فلنذكر مثالين: فبنود العقد في شركة من الشركات تتوقع فساد العلاقة الممكن وتحدد الإجراءات التي تعالج ما قد يترتب على فسخ العقد. وكذلك عقد الزواج.

  فتكون هذه الإجراءات مباشرة في حالة فض الشركة أو حصول الطلاق. لكنها في الحقيقة غير مباشرة وما كنا نتصوره غير مباشر هو المباشر حقيقة.


فما هي الأدوات غير المباشرة بهذا المعنى والتي هي المباشرة بحق؟ إنها وظائف الدولة الخمس التي تمثل جوهر عقد البيعة أو عقد الحكم في أي جماعة بين الجماعة ككل وبين من اختارته ليكون ممثلا لها في إدارة شؤونها. وهذا العقد وصفه ابن خلدون بعبارة فلسفية مستمدة من الهيلومورفية فميز فيه بين الصورة والمادة. واعتبر الصورة ذات بعدين فعلي ورمزي والمادي كذلك ذو بعدين فعلي ورمزي. لكنه توقف عند هذا الحد ولم يتعرض للأساس الذي بقي مسكوتا عنه بقاء البعد الخامس في الأدوات المباشرة سابقة الذكر أعني وزارة الاستعلام والإعلام:


بعدا صورة العمران هما الحكم السياسي والحكم التربوي والأول فعلي والثاني رمزي أعني أن الأول يغلب عليه استعمال العنف الشرعي والثاني يغلب عليه استعمال العنف الرمزي. ويشترك البعدان في السلطان على الإنسان الأول عليه باعتباره بدنا والثاني عليه باعتباره روحا أو نفسا. لذلك فهذا السلطان يستعمل مادة لتحقيق مطالب هذا السلطان وهي بدورها ذات بعدين.


بعدا مادة العمران هما الإنتاج المادي أو الاقتصاد والإنتاج الرمزي أو الثقافة. والأول فعلي والثاني رمزي أعني أن الأول يغلب عليه استعمال العنف المكيف لحياة الإنسان باعتباره يقبل التأثير من خلال بدنه وحاجاته المادية والثاني يغلب عليه استعمال العنف المكيف لحياة الإنسان باعتباره يقبل التأثير من خلال روحه وحاجاته النفسية. لذلك فهما أداتا التأثير الذي يستعمله صاحبا السلطان أو مصورا الإنسان: لذلك سماهما ابن خلدون صورة العمران وسمى هذين مادته.


                 البعد المخفي والذي لا غنى عنه


وحتى نحدد البعد الأصل الذي يفهمنا ما يجري في الأدوات غير المباشرة للتأثير في الجماعات والأفراد علينا هنا أيضا أن نحدد العلاقة بين الأبعاد. فهذا البعد الخفي هو في الحقيقة موطن كل الخلافات بين الصفوف المتناحرة في الساحة السياسية العربية: الأساس القيمي والروحي لقيام الجماعة المستقل وغير التابع. فمن دون التربية بقيم يؤمن به الشعب يتحول الحكم إلى عنف خالص لأن من بيدهم السلاح المادي والرمزي يتحولون إلى مبشرين بعقائدهم لفرضها على الشعب ولا يبقون موكلين بإدارة الشأن العام. التربية هي الأداة الملطفة أو الموطدة لسلطان المستفردين بالسلاح.


 ومن دون ثقافة يتحول الاقتصاد إلى استغلال خالص لأن مناخ الاستبداد والفساد والاحتكار والغش ثقافة تتنافى مع قوانين الاقتصاد حتى لو نفينا عنه كل القيم الخلقية واقتصرنا على قيمة الفاعلية والنجاعة الاقتصادية أعني التنافس الذي يتطلب الجودة وعدم الغش والتفكير البعيد ومن ثم التقليل من استحواذ أصحاب السلاح على إرادة أصحاب المال. الثقافة هي الأداة الملطفة أو الموطدة لسلطان المستفردين بالمال .


وطبعا فيمكن أن تعدل الجماعة دور مادة العمران حتى تكون محررة من السلطانين سلطان السلاح وسلطان المال وذلك بجعلهما في خدمة الإنسان: فلا يصبح العسكر دولة في الدولة ولا يصبح المال أداة إفساد كل القيم. لكن استعمال الأدوات المباشرة إذا كان خاضعا لمراقبة الشعب هو الذي يؤدي إلى منع هذا الانحراف فتصبح أدوات الفعل المباشرة حارسة للحيف الذي تحققه أدوات الفعل غير المباشر. ويمكن عند فهم قيم القرآن وقيم العقل وقرار الجماعة بإدارة شأنها في ضوئهما يمكن حينئذ أن ينعكس الأمر فتصبح هذه الأدوات المباشرة في خدمة النجاعة والعدالة في الأدوات غير المباشرة وهو المقصود  بالحكم الرشيد والتربية الرشيدة اللذين يعدان الإنسان لسد الحاجات المادية (الاقتصاد) والروحية (الثقافة) سدا عادلا وسليما فيقل اللجوء إلى العنف ماديا كان أو رمزيا.


وهذا هو البعد الخامس الغائب: البعد الذي تثق فيه الجماعة ليكون مراقبا لعمليات تركيب بعدي الفعل والرمز في الصورة والمادة فيضمن مطابقة أفعال الدولة لإرادة الجماعة مفرقا بين التركيب الفاسد الذي يجعل الحياة الجماعية غير راشدة والتركيب الصالح الذي يجعل  الحياة الجماعية راشدة. وقد قدم العقل الإنساني مفهوم الفيلسوف الملك (أفلاطون والفارابي) وتبين أن ذلك ليس حلا وقدت الأديان الطبيعية (مصر القديمة) والمنزلة قبل الإسلام مفهوم الملك النبي العادل (اليهودية والمسيحية) وتبين كذلك أنه ليس حلا إذ إن الثورة السياسية في القرن السابع عشر والثامن عشر كانت ضد فكرة الحق الإلهي في الملك.


وجمعت الشيعة الباطنية بين المفهومين في الإمام المعصوم الذي هو فيلسوف رئيس في آن (إخوان الصفا ودولة الفاطميين) ثم تجاوز التصوف العرفاني ذلك فقدم نظرية القطب (التي يؤيدها حتى ابن سينا). لكن ذلك كله من الأوهام لأنه عودة إلى الفرعونية حيث يتحول الحاكم إلى نائب الإله بل وإلى الإله نفسه (كما قال شاعر الفاطميين للمعز لدين الله الفاطمي: فاحكم فأنت الواحد القهار أو كما يقول النصيري بأن الله هو الأسد). وإذن فالحل الوحيد المتبقي هو ما يمكن أن نسميه مجلس أهل الحل والعقد التقويمي وليس أهل مباشرة الحكم والتربية والاقتصاد والثقافة. ويتألف هذا المجلس ممن اعترفت له الجماعية بتمثيل أحكم من باشر فمارس هذه المجالات فكان أكثرهم عدلا وكفاءة وحرصا على المصلحة العامة: أعني أنهم ينبغي أن يكونوا جميعا ممن جربهم الشعب خلال ممارستهم السابقة وإذن فهم شيوخ محنكين نجحوا في إدارة العمل السياسي أوالتربوي أوالاقتصادي أوالثقافي .


 لكن الحكم الفعلي يبقى دائما بيد الجماعة الحاكمة التي تحكم نفسها بنفسها من خلال بيعة حرة ومحددة المدة والصلاحيات لمن تنتخبهم للعناية بما يقبل الرد إلى فرض كفاية من وظائف الحكم حفاظا على ما لا يقبله حتى يقوم كل مواطن بفرض العين أعني واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في رعاية الشأن العام (الأخلاق العامة المحددة لعلاقة الناس بعضهم بالبعض وبمن اختاروه وكيلا لرعاية الشأن العام) وليس التدخل في الشأن الخاص للغير (علاقة الإنسان بذاته وبربه وبمن هم من مسؤوليته في حياته الخاصة الفردية والأسرية). وشرط بقاء الحكم بيد الجماعة هو منع الاستحواذ على السلاح والمال اللذين ينبغي أن يكون حقا للجميع. فشعب أعزل وفقير يمكن الاستبداد بأمره من حكم مسلح وثورة محتكرة.


 وإذن فلا بد أن تكون الجماعة هي صاحبة السلاح وهي صاحبة المال وأن تختار فوق الحكام الممثلين لإرادتها مجلس مراقبة ممثل لقيمها التي إذا لم تحترم تكون إرادتها قد ذهبت في مهب الريح. لهذا كان الرسول يرفض تكوين جيش أو شرطة يصبحان دائما دولة في الدولة وكان يرفض احتكار طبقة أو إدارة للمال تصبح دولة في الدولة. إنما السلاح والمال هما شرط القدرة الفعلية والإرادة الحرة. ومن ثم ينبغي أن يكون للجميع منها نصيب وذلك هو شرط القدرة على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


ولن يؤدي ذلك إلى الفوضى لأن الاحتكام إلى سلطة المراقبة التي ليس لها سلطة التنفيذ يكون بمقتضى ما تقره الجماعة المؤلفة من مواطنين مؤمنين بالتكامل بين الأخلاق والقانون عمليا وبين الإيمان والعلم نظريا. ومن ثم فهم مؤمنون بشرع الله ليس بمعنى الشريعة فحسب بل بمعنى ما تقره الجماعة من قيم إذ حتى الاحتكام إلى الشريعة فهو تابع لهذا الإقرار ما دام لا يفعل إلا به. فيكون الحكم النهائي الذي يخضع له الجميع حاكما ومحكوما هو إرادة الجماعة حتى لو أرادت الجماعة أن تجعل قانونها هو الشريعة: فالشريعة ليست وضعية لكن إقرار جعلها مصدرا للقانون وضع إنساني يمكن أن يحصل وألا يحصل دون أن يشكك في الإيمان بها لأن تعطيل التطبيق ينتسب إلى الضرورة التي تبيح المحظور دون أن يلغي حقيقة الإيمان كما فعل الفاروق.


هذا هو مضمون رسالة الثورة العربية التي تفتح للبشرية أفقا جديدا للأخوة البشرية وتحررها من المقابلة الزائفة بين أمم تخلصت كما يزعمون من الدين وأمم تخلصت من العقل كما يدعون: بل العقل والدين متلازمان تلازم الروح والفكر في ابن آدم. وليس في ذلك أدنى يتوبيا لأن الحل المظنون أسمى الحلول حاليا والذي يراد أن يفرض علينا شكله الذي يكون الحكم فيه لمن يختارهم الغرب لمواصلة استعباده لنا وليس لمن نختاره نحن تبين في حقيقته حتى عندهم مجرد غطاء للألغارشية برداء الديموقراطية التي تحولت إلى سلطان المافيات الداخلية والخارجية. ومعنى ذلك أن الديموقراطية مغشوشة حتى عند أصحابها.


 فيكفي أن نفهم المقصود بدور اللوبيات وبدور المال في الانتخابات الأمريكية وما ينبني عليه دور إسرائيل في الولايات المتحدة وفي أوروبا وقريبا في الصين والهند حتى نعلم أن التزييف ليس أداة تستعمل معنا فحسب بل هي من جوهر الديموقراطية حتى عند أصحابها. إنها خدعة توهم الشعب بحكم نفسه لكنها في الحقيقة حكم المستحوذين على السلاح المادي (الجيش والبوليس) والرمزي (الاستعلام والإعلام) الذي هم في خدمة المستحوذين على المال المادي (الاقتصاد) والرمزي (الثقافة المزيفة للوعي).

                                               

                        



[1]  سني لأني لم أعد قادرا على الفعل المباشر في الميادين فضلا عن كوني في تونس ولست في القاهرة وإلا لنزلت كما فعلت لما كان ذلك في حولي في تونس في شباب خلال حرب الاستقلال وبعد الثورة مشاركة في محاولات التخلص من حيل النظام السابق لإقناعنا بأن هروب ابن علي كاف وعلى النظام أن يتواصل (ولم يتسن لي المشاركة في الأيام التي تبين فيها أن ما يجري كان ثورة وليس مجرد حركة اجتماعية لأني كنت خلالها خارج الوطن للتدريس في باريس ولم أعد إلا يوم 16 جانفي 2012 لانعدام إمكانية العودة حيث تعطل النقل بين البلدين بداية من يوم 13 منه). واختصاصي لأني أستاذ جامعي في الفلسفة اليونانية والعربية وليست سياسيا محترفا ومن ثم فلا يمكنني أن أسهم في الثورة إلا بصفتي محللا ومربيا.

 

مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2+subscribe@googlegroups.com - أرشيف الرسائل








مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2+subscribe@googlegroups.com - أرشيف الرسائل





مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2+subscribe@googlegroups.com - أرشيف الرسائل





مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2+subscribe@googlegroups.com - أرشيف الرسائل


--
--
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية.
 
يمكن مراسلة د. عبد العزيز قاسم على البريد الإلكتروني
azizkasem1400@gmail.com
(الردود على رسائل المجموعة قد لا تصل)
 
للاشتراك في هذه المجموعة، أرسل رسالة إلكترونية إلى العنوان التالي ثم قم بالرد على رسالة التأكيد
azizkasem2+subscribe@googlegroups.com
لإلغاء الاشتراك أرسل رسالة إلكترونية إلى العنوان التالي ثم قم بالرد على رسالة التأكيد
azizkasem2+unsubscribe@googlegroups.com
 
لزيارة أرشيف هذه المجموعة إذهب إلى
https://groups.google.com/group/azizkasem2/topics?hl=ar
لزيارة أرشيف المجموعة الأولى إذهب إلى
http://groups.google.com/group/azizkasem/topics?hl=ar
 
---
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في المجموعة "مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية (2)" من مجموعات Google.
لإلغاء اشتراكك في هذه المجموعة وإيقاف تلقي رسائل إلكترونية منها، أرسِل رسالة إلكترونية إلى azizkasem2+unsubscribe@googlegroups.com.
للمزيد من الخيارات، انتقل إلى https://groups.google.com/groups/opt_out.
 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق