19‏/04‏/2013

[عبدالعزيز قاسم:2540] روبرت باري: المصفوفة الأمريكية وإدارة التصور

1


المصفوفة الأمريكية وإدارة التصور

روبرت باري Robert Parry



ترجمة موقع اسلام ديلي



قبل عقد من الزمان، عندما بسطت القوات الأمريكية سيطرتها على العراق، كانت هناك الكثير من التحذيرات الكاذبة بوجود أسلحة الدمار الشامل، حتى بلغ الأمر بالرئيس بوش إلى الإعلان عن اكتشاف معامل متنقلة للأسلحة الجرثومية، وتصدى روبرت باري Robert Parry لهذا الادعاء من خلال تحليل بعض الحقائق الأمريكية المغلوطة.

الكاتب: روبرت باري Robert Parry

ان أفلام ما يسمى "بالمصفوفة The Matrix" تقدم مقاربة مفيدة لكل من يحاول أن يفهم مقدار الفجوة بين ما هو حقيقي وما يعتبره الأمريكيون حقيقياً. ان ما يحدث في  أفلام عالم الخيال العلمي، انها تقدم وقائع غير حقيقية تعرض يومياً أمام أعين الناس عبر شاشات التلفزة. فتقد الحقائق قيمتها. ونادرا ما تجد المنطق في الكثير منها.

وإن الذي يعيش في هذه " المصفوفة الأمريكية" هم مثل أولئك الذين اعتادوا على مشاهدة أفلام الخيال العلمي. ويعيشون في غفلة عميقة عما يجري تحت السطح، إما لأنهم مشغولون للغاية، أو لأنهم يشعرون بملل شديد لا يجعلهم يشعرون بما حولهم. غير أن هناك آخرين يبدو أنهم يتمتعون بمعرفة أفضل، ولكنهم يتصرفون مثل Cipher؛ الشخصية التي ظهرت في فيلم المصفوفه الذي يختار السعادة المزيفة بدلا مما يسميه مورفيوس Morpheus "بصحراء الواقع".

على سبيل المثال كثير من الأمريكيين استمتعوا كثيراً بمشاعر الوطنية التي استمدت من شاشات التلفزة في حرب العراق، لدرجة أنهم لم يكونوا يرغبون بإفسادها بالحقيقة المجردة. حيث أنهم أثناء الحرب، اعترضوا على بعض وكالات الأنباء عندما قامت بعرض الأجساد المشوهة والأطفال الجرحى، وأسرى الحرب لدى الولايات المتحدة، حيث أماطت اللثام عن الوجه القبيح للحرب، ونظر البعض إلى هذه الوكالات بأنها غير وطنية أو بأنها تخون القوات الأمريكية بطريقة أو بأخرى. الصور الإيجابية وحدها هي التي كانت تجد الترحيب، بينما الاعتراض على ما كان يجري، كان يعد ضربا من الخيانة العظمى.

في يونيو 2003، عندما أصبحت القوات الأمريكية قريبة جداً من السقوط في مستنقع حرب العصابات، حسب توقعات بعض المشككين، استمر الأمريكيين في القول بأنهم يثقون في قدرة جورج بوش الابن في معالجة الوضع. غير أن بعض المحللين العسكريين القريبين من إدارة بوش بدئوا يشعرون بشيء مختلق. حيث قال لي أحدهم "نحن عالقون في الأمر بأظافرنا".

ولكن الأمريكيين اختاروا الشعور بالرضا تجاه تلك الحرب. لقد أرادوا أن يقنعوا أنفسهم بأن غزو العراق كان أمراً عادلاً، وأن صدام حسين كان من المفترض أن يقوم  بالفعل باستخدام أسلحة الدمار الشامل. والأمريكيون بأغلبية ساحقة اقتنعوا بأن هذه الأسلحة قد تم الاستيلاء عليها أو أنهم لا يبالون بأن إدارة بوش تقوم بتضليل العالم.

المختبرات المختلف عليها

وكالات الأنباء الأمريكية من جانبها- من فوكس نيوز إلى نيويورك تايمز- هللت مراراً وتكراً لاكتشاف أسلحة الدمار الشامل، فقط للتقليل من أهمية بعض المقالات التي نشرت مؤخراً وأشارت إلى أن التقارير الأصلية كانت وهمية. وهي التي تمثل الدليل الوحيد الذي استشهد به بوش في يونيو 2003 في اكتشاف مختبرين متنقلين، والذين أصرت وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع بأنهما ربما يستخدمان لإنتاج الأسلحة الجرثومية .

"الذين يزعمون أننا لم نكتشف أجهزة أو أسلحة محظورة، مخطئون". (صحيفة واشنطن بوست 31 مايو 2003).

ومع ذلك، فإن تحليل المخابرات الأمريكية لهذه المختبرات، كان جزء من المصفوفة الأمريكية، أكثر منه تحليل وفحص نزيه للأدلة. تقرير وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع الأمريكيتين الذي صدر في 28 مايو هو مثال آخر للمعلومات الاستخبارية الانتقائية، التي رفضت البدائل المعقولة طالما أنها لا تتناسب مع الاحتياجات السياسية لبوش. وفي هذه الحالة، فإن إدارة بوش ظلت تقول ولعدة أشهر أن أسرار الأسلحة العراقية سيتم الكشف عنها بمجرد أن تلقي القوات الأمريكية على كبار العلماء العراقيين واستجوابهم، ثم عندما ألقت القبض عليهم، لم يعجبها ما قاله أولئك العلماء على ما يبدو. حيث أن العلماء العراقيين عندما قبض عليهم، قالو أن تلك المختبرات كانت تستخدم في انتاج الهيدروجين لبالونات الطقس الخاصة بالمدفعية.

وقد اتفق المحللون لتقرير وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع الأمريكيتين على أن انتاج الهيدروجين للمدافع تفسير منطقي ومعقول لوجود هذه المختبرات. "حيث أن من خصائص المقطورة- نظام جمع الغاز ووجود المادة الكاوية – أنها تتوافق مع الانتاج الحيوية وإنتاج الهيدروجين". حيث ذكر تقرير وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع ما يلي: "هذه المختبرات من خلال تصميمها، يمكن استخدامها في إنتاج الهيدروجين باستخدام التفاعل الكيميائي".

كما أشار التقرير إلى أن "نتائج تحليل عينة أولية كانت سلبية تجاه خمسة من عناصر BW بما في ذلك الجمرة الخبيثة". ويقول التقرير "وهناك شيء مفقود وهو المختبرات المتنقلة المرافقة اللازمة لإعداد وتعقيم الوسائط والتركيز وربما تجفيف العنصر قبل أن يكون العنصر جاهزاً للإدخال في نظام للإطلاق مثل معظم الذخائر المعبأة".

وبعبارة أخرى، أن عناصر المخابرات الأمريكية لم يجدوا أي دليل يوحي بأن هذه المختبرات كانت تستخدم في إنتاج الأسلحة الجرثومية، أو أن المختبرين يقومان بإنتاج عناصر BW تستخدم كأسلحة. ولكن تلك كانت إجابة خاطئة.

مجادلة القضية

إذا، لم يجد محللو وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع بداً من اللجوء إلى المنحى الجدلي. فقد أكد التقرير أن المختبرات لم تكن لإنتاج الهيدروجين لأنه قدرتها أكبر من "الوحدات النموذجية الازمة لإنتاج الهيدروجين للبالونات". حيث أن هناك أنظمة أفضل متوفرة في السوق بكميات تجارية.

غير أن المحللين الأمريكيين لم يتأكدوا مما إذا كانت تلك الأنظمة متاحة للعراق الذي واجه حصاراً منع عنه التبادل التجاري الذي استمر عقداً من الزمان. حيث أن ما يعتبر غير ملائم بالنسبة للعلماء الأمريكيين، ربما يعتبر أفضل خيار يمكن إنتاجه محلياً بالنسبة للعراقيين.

وبعد تقديم حجة عدم الكفاءة، خلص تحليل وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع إلى أن إنتاج الهيدروجين يجب أن يتحول إلى موضوع الغلاف، وأن إنتاج عنصر BW هو الغرض الوحيد المنطقي والثابت لهذه المركبات. وفي المصفوفة الأمريكية، أي حجة يمكن أن تمر إذا أراد القائمين عليها ذلك.

كتاب Tom Tomorrow ، "هذا لعالم الحديث This Modern World" قد تناول هذا الجانب حيث يطلق عليه "مصفوفة الجمهوريينThe Republican Matrix" في رسم كاريكاتيري يستخدم أيضاً مقاربة أفلام "المصفوفة The Matrix". وفي ذلك الرسم الكاريكاتيري قلد بعض الجهلاء من الأمريكيين رسالة إدارة بوش حينما يتساءل الكاريكاتير "ما هي مصفوفة الجمهوريين The Republican Matrix"؟ ويجيب : إنه وهم بات يعترينا جميعاً ... وابل مستمر من الصور التي تحجب الحقيقة. إنه عالم يولد كل يوم من جديد... لا مجال فيه للعظة والاعتبار بدروس الماضي .. عالم لا يؤثر فيه المنطق السليم ... عالم انقلبت الأمور فيه رأساً على عقب .. وصار الأبيض فيه أسود .. وتعتبر الحقيقية نفسها في هذا العالم شيء مرن .. قابلة للمراجعة المستمرة .. وهو باختصار .. عالمهم".

وينتهي الرسم الكاريكاتيري بإطار تظهر فيه صورة بوش، ونائبه ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد وهو يضعون النظارات الشمسية، كالتي يرتديها أعداء البشرية في فيلم "المصفوفة The Matrix".

 ويتساءل بوش "ماذا يجب أن نفعل اليوم يا شباب؟" فيجيبه تشيني "أي شيء لعين يعجبك، ياجورج".

وقد أدرك بوش ومستشاريه أنهم واجهوا بعض القيود في تمرير مصالحهم السياسية والإعلامية. وبوش الذي كان محميا بجيش من الحلفاء في وسائل الإعلام، من الذين يشاركونه أفكار المحافظين الجدد أو الذين يسعون لتحقيق منافع مالية من خلال اللعب لصالحه، قد أدرك أنه لم يتعرض لمخاطر تذكر. وهناك أيضاً الكثير من الأمريكيين، يبدو أنهم كانوا مستمتعين بما كانوا يتعرضون له من خداع.

توجيهات عليا

كانت الإدارة الأمريكية واثقة إلى حد كبير في السيطرة ، حيث تجرأ بوش واستقل طائرة حربية في الأول من مايو ليحتفل على متن حاملة طائرات بتحقيق النصر على العراق. حملة الطائرات أبراهام لينكولن التي كانت في عرض البحر على مدى عشرة أشهر، كانت ضمن نطاق طيران طوافة، ولكن هذا لم يهيئ لبوش متعة الهبوط على متن حاملة طائرات وهو يرتدي بزة الطيارين. لقد خففت السفينة من سرعتها وجالت على المحيط الهادي لتضمن زوايا التصوير المناسبة، بينما تأخرت رحلة عودة العاملين في السفينة من الرجال والنساء إلى ديارهم.

وبالرغم من أن والد بوش نفسه سخر كثيرا من مرشح الحزب الديمقراطي ما يكل دوكاكيس عندما ركب على متن دبابة في عام 1988. كما أن وسائل الإعلام الوطنية نظمت يوما احتفالياً في عام 1993، عندما كان الرئيس بيل كلينتون يقص شعره بينما كانت القوات الجوية الأولى في انتظاره في مطار لوس انجلوس. غير أن الأمر كان مختلفاً بالنسبة لبوش.

وقد لاحظ الصحفي في صحيفة نيويورك تايمز بول كروغمان في عموده أن "التغطية التلفزيونية الأمريكية كانت تتراوح بين المحترمة والمندفعة. لم يظهر أن هناك من يتذمر من أن السيد بوش الذي ظل هارباً لمدة تزيد عن عام من الخدمة في الحرس الوطني، وهو ما جعله بعيدا عن المشاركة في الحرب في فيتنام، يقوم اليوم بتأكيد خبرته في الطيران". (صحيفة نيويورك تايمز، 6 مايو 2003م).

إن أمثال كريس ما ثيوس Chris Matthews في محطة MSNBC استغلوا حادثة تبختر بوش حول حاملة الطائرات للإشادة برجولة بوش وشجاعته، على العكس من مرشحي الرئاسة الجمهوريين، بما فيهم السناتور جون كيري John Kerry الذي نال وسام النجمة الفضية في حرب فيتنام.

قال ماثيوس في الأول من مايو في محطة MSNBC "تخيل جو ليبرمان أو حتى جون كيري في هذا الزي، لا أحد يبدو أحق من بوش بمنصب الرئاسة – والقائد العام للقوات لمسلحة، متوسط القائمة ومتوسط البنية الجسمانية، كما تبدو بزة الطيارين مناسبة له؟، أكثر من غرور البعض، ليس هذا بأسلوب أدبي ولا بالكلام الحرفي، ولكنه رجل يتحدث بتلقائية وينتصر في الحروب. أعتقد أن تعريف هذا المنصب من الصعوبة أن ينطبق على الجمهوريين."

وفي ذات البرنامج، عندما سئل ماثيوس عن مقال بوستن غلوب في عام 2000، الذي تحدث عن فجوات في خدمة بوش في الحرس الوطني، اضطر ما ثيوس إلى تجاهل السؤال ومر عليه سريعا دون أن يجيب على جوهره. حيث قال ما ثيوس ضاحكاً " هل هناك أي فرصة الآن أن تقوم مدينة بوستن غلوب بتأييد جورج بوش في سباق الرئاسة؟ تقرير جيد. ولكن هل هذا سيكلفه ولاية واحدة؟ لن يبدؤوا بولاية ماساشوست".

ماذا كان بمقدور الخصوم السياسيين فعله في ما ساشوست مع قضية واقعية مثل ما إذا كان بوش قد تجنب أداء الخدمة العسكرية، وربما ذهب إلى AWOL ووجد الحماية بفضل نفوذ والده. وفي المصفوفة الأمريكية الروابط العقلانية لم تكن ضرورية. حيث أن الحقائق والمنطق قد طغت عليها الصور والنبرة. (وللاطلاع على المزيد التحليلات لحادثة هبوط يوش على متن حاملة الطائرات، أنظر ديلي هولر DailyHowler التي يديرها بوب سومربي Bob Somerby).

مونت رشمور

التقط بوش الصور التي كان يريدها بهبوطه على متن حاملة الطائرات وقام مساعدوه بالتستر على الحقائق في الأيام التي تلت الصورة. فقد قام البيت الأبيض بتوضيع الأسباب التي دفعت الرئيس لركوب طائرة حربية، وقد أصر على أن ذلك كان ضرورياً لأن السفينة كانت بعيدة عن مدى طيران الطوافة. غير أن هذه الحجه بطلت عندما تبين أن السفينة كانت على بعد 30 ميلا فقط من السواحل وقامت بالتخفيف من سرعتها لتمنح بوش فرصة للهبوط على ظهرها بطائرة حربية.

وقد كشف مقال نشر مؤخراً في صحيفة نيويورك تايمز أن بوش شخصيا قد شارك في فكرة الهبوط بالطائرة الحربية على ظهر حاملة الطائرات، وأن المخطط تم رسمه بواسط فريق من البيت الأبيض بقيادة خبير الاتصالات سكوت سفورزا Scott Sforza الذي وصل إلى حاملة الطائرات قبل يوم من هبوط الطائرة الحربية التي استقلها الرئيس. كان هبوط الطائرة مشهداً واحدا فقط من عدة صور كان طلبها البيت الأبيض.

وفي خطاب اقتصادي ألقاه بوش مؤخراً في انديانابولس قيل للجالس خلفه أن ينزعوا ربطات العنق حتى يظهروا كأنهم أناس عاديون، على حد ما جاء في WISH-TV. وكذلك في خطاب لبوش في مونت رشمور في داكوتا الجنوبية، تم تقديم منصة للمصورين يظهر فيها بوش وكأنه منحوت مثل كل من جورج واشنطن وجيفرسون ولنكون وثيودور روزفلت. (نيويورك تايمز 16 مايو 2003).

وقد ساور محطات التلفزة وبقية الشعب الأمريكي مخاوف حول ما إذا كان بوش قد استخدم حاملة الطائرات ابراهام لنكولن وملاحيها للدعاية السياسية. وعندما طالب الديمقراطيون بحساب التكاليف، طرحت محطة MSNBC سؤالها على النحو التالي: لقد حلقت طائرة الرئيس بوش. فهل دار كل هذا من اللغط في لا شيء ؟".  (محطة MSNBC 8 مايو 2003). كما وجد استطلاع الرأي الذي أجرته صحيفة نيويورك تايمز بالتعاون مع CBS أن 59% من الشعب الأمريكي يوافق على أن استخدام حاملة الطائرات كان أمراً مناسباً ويقولون أن بوش لم يكن يسعى لتحقيق مكاسب سياسية.

إذا، كيف وصل الشعب الأمريكي إلى هذه النقطة بينما الغالبية العظمى منه لا تبالي بما إذا كانت تتعرض للخداع، ولا يهمهم ما إذا كانت الخدع سخيفة أو واضح ؟ جزء من الإجابة على هذا السؤال، يتعلق بصدمة الحادي عشر من سبتمبر، عندما شعرت الأمة بأنها ضحية وخلصت إلى الاستراتيجية المناسبة وهي أن "تقف موحدة" حتى وإن كان هذا يعني منح بوش شيكا على بياض ليفعل ما شاء، بغض النظر عما إذا كان متهوراً.

أصل المصفوفة

التفسير الأشمل لهذه المصفوفة الأمريكية يعود إلى فترة بعيدة جداً- مثل مصفوفة الفيلم- نحن نعلم بعض الحقائق، وليس كلها. فقد ولدت فكرة المصفوفة الأمريكية من غضب الجمهوريين في عقد السبعينيات من القرن الماضي. ذلك الغضب الذي جاء على اثر تسريب وثائق من البنتاغون تحدثت عن التاريخ السري لحرب فيتنام، وكذلك كشف النقاب عن الانتهاكات السياسية التي ارتكبها الرئيس ريتشارد نيكسون والتي عرفت بووترغيت Watergate . لقد أدت تلك التسريبات على إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب من فيتنام وتنحية نيكسون من منصب الرئاسة.

كانت تلك الصدمة عنيفة على كبار الجمهوريين، حيث تعرض حزبهم لضربة قوية في انتخابات الكونغرس في عام 1974 ثم خسروا سباق الرئاسة في عام 1976م. فقررت مجموعة متنفذة من المحافظين الأثرياء في الحزب الجمهوري بأنه لابد من فرض المزيد من السيطرة على المعلومات التي تصل الرأي العام وتؤثر عليه.

فبدأ هؤلاء الجمهوريون بقيادة وزير الخزانة السابق بيل سايمون وأمثال ريتشارد ميلون سكافي، بدئوا بضخ عشرات الملايين من الدولارات لبناء البنية التحتية اللازمة لوسائل إعلام محافظة لمواجهة الصحافة السائدة والتي يصفها المحافظون بـنها لبرالية. (ولتكوين خلفية أوسع عن الموضوع، يمكنك زيارة موقع Consortiumnews.com والإطلاع على موضوع بعنوان أزمة الديمقراطيين Democrats' Dilemma).

هذه الإستراتيجية السياسية الإعلامية حققت زخماً هائلا في عقد الثمانينات من القرن الماضي عندما بدأ طاقم الرئيس رونالد ريغان يعمل بمكر ودهاء بجانب وسائل الأعلام المحافظة الناشئة آنذاك مثل صحيفة واشنطن تايمز المملوكة للقس سن ميونغ مون  Sun Myung Moonوالتي كان الرئيس ريغان يعتبرها صحيفته المفضلة. وفي ذات الوقت، كانت هناك مجموعات هجومية من  المحافظين، مثل مجموعة الدقة في وسائل الإعلام، ظلت تطارد الصحفيين الذين درجوا على كشف حقائق محرجة عن العمليات السرية التي كان يقوم بها الرئيس ريغان، كفضيحة إيران كونترا، وتهريب المخدرات بواسطة ثوار حركة كونترا في نيكاراغوا، المناضلين الذين يحبهم رونالد ريغان.

كان النشطاء المحفظين يعملون جنبا إلى جنب وخلسة مع الرئيس ريغان في أجهزة برنامجه "الدبلوماسية الشعبية" والذي استعار بعض خبراء الحرب النفسية من الجيش الأمريكي للقيام بما اصطلح على تسميته "بإدارة التصور". وقد كان هدفهم إدارة تصورات الشعب الأمريكي حول القضايا الرئيسية في السياسة الخارجية مثل أمريكا الوسطى والتهديد الذي كان يشكله الاتحاد السوفيتي آنذاك.

وقد أوضح مساعد قائد القوات الجوية ما يكل كيلي في مؤتمر بجامعة الدفاع الوطني قائلا: "إن أخطر مهمة للعمليات الخاصة .. هي أن نقنع الشعب الأمريكي بأن الشيوعيون يقفون لنا بالمرصاد".

وفي عقد الثمانينات من القرن الماضي، كانوا يحظون بمساعدة مدراء الأقسام الإخبارية في بعض الصحف الرئيسية من الذين كانوا يؤيدون السياسة الخارجية للرئيس ريغان، بما في ذلك مدير تحرير صحيفة نيويورك تايمز آبي روزنثال. كما أن بعض هؤلاء المدراء اختاروا النأي بوكالاتهم الإخبارية عن نشر التقارير الصعبة التي كانت ضرورية لكشف تجاوزات السياسة الخارجية التي كانت تجري في عهد الرئيس ريغان.

وقد كان هذا الأعراض، وغض الطرف، واحداً من الأسباب الرئيسية التي جعلت بعض كبريات الصحف مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست تميل في الغالب الأعم إلى تجنب الخوض في فضيحة إيران كونترا بل هاجمت صحفيين آخرين قاموا بكشف جرائم السياسة الخارجية مثل تهريب الكوكايين بواسطة قوات ثوار الكونترا في نيكاراغوا. كان يتم خلق واقع مزيف لتغطية الجانب القبيح في السياسة الخارجية. (ولمزيد من التفاصيل: التاريخ المفقود – لروبرت باري).

حروب كلنتون

في عقد التسعينيات من القرن الماضي، اندمجت مصالح الوكالات الإخبارية المحافظة وبقية الوكالات الإخبارية الرئيسية بشكل كامل، عندما وجدت المجموعتان مصلحة مشتركة في المبالغة في تناول التصرف السيء للرئيس بيل كلينتون. فقد شعر أغلب الصحفيين بأنه يمكنهم أن يكتبوا أي شئ ثم ينالوا عليه الثناء –بدلا من الازدراء- الذي قد يتعرضون له من قبل الجماعات المحافظة ذات التمويل الجيد. (لمزيد من التفاصيل انظر ملاحقة الرئيس للكاتب جو كانسون أو حروب كلنتون للكاتبة سيدني بلومينثال).

مع أن بعض الحقائق الأساسية حول استثمارات كلينتون في وايت وتر وغيرها من "الفضائح" قد تم تقديمها بصورة سيئة بواسطة الصحافة الوطنية، إلا أنه لم تكن هناك عقوبات للصحفيين المتورطين فيها، بل كانوا يحصلون على المكافآت. وبالمقابل، تلك القلة القليلة من الصحفيين الذين لا تزال لديهم الجرأة للتنقيب عن الأدلة في الجرائم السابقة في عهد ريغان – بوش، وجدوا أنفسهم في مواجهة هجمة شرسة، وتعرضوا بتهديدات لمصادر أرزاقهم.

على سبيل المثال، عندما قام غاري ويب مراسل صحيفة سان خوسيه ميركوري بتحريك قضية الكونترا والمخدرات في منتصف عقد التسعينيات، واجه استنكار من صحيفة نيويورك تايمز وبعض الصحف البارزة بأنه طرح الموضوع بطريقة ساخرة عندما انكشفت في عقد الثمانينيات. وحتى عندما أكد تقرير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في عام 1998 أن ثوار الكونترا كانوا متورطين في تجارة المخدرات، وأن إدارة ريغان-بوش قد أخفت الأدلة التي تثبت ذلك، استمرت الصحف الكبرى في صب جام غضبها على الصحفي ويب، حتى تم إبعاده من المهنة. (لمزيد من التفاصيل أنظر التاريخ المفقود Lost History للكاتب باري).

وقد استمر نفس النمط حتى انتخابات عام 2000 التي واجه فيها مرشح الديمقراطيين آل غور هجوما شرساً في مصداقيته- بالاستناد إلى أمثلة مفبركة أو مبالغ فيها في أغلب الأحيان حول الكذب- بينما المرشح الجمهوري جورج بوش الابن حصل على بطاقة دخول مجانية. (لمزيد من التفاصيل أنظر الموضوع المنشور في Consortiumnews.com بعنوان حماية بوش تشيني).

ومرة أخرى، عمل المحافظون والوكالات الإخبارية الرئيسية عملوا جنب إلى جنب، حيث انضمت صحيفة نيويورك تايمز إلى صحيفة واشنطن تايمز في النقل الغير دقيق لتصريحات آل غور حول اختراع الإنترنت أو ادعاؤه بأنه أول من بدأ بعملية تنظيف السموم من قناة الحب. ومرة أخرى أيضاً، لم تكن هناك أية مترتبات سلبية على الصحفيين الذين تلقوا المعلومات بالخطأ.  

(لمزيد من التفاصيل أنظر الموضوع المنشور في Consortiumnews.com بعنوان آل غور في مواجهة جورج بوش الابن).

هجمات إرهابية

الهجمات الإرهابية التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر 2001، أسهمت كثيراً في تعميق هذه الميول. وفي الشهر التالي، على سبيل المثال، قامت مجموعة من الوكالات الإخبارية بإكمال عملية إعادة عد لجميع الأصوات القانونية في الانتخابات الرئاسية في ولاية فلوريدا. والهدف الأساسي من إعادة العد كان بسيطا للغاية: وهو لتحديد المرشح الذي اختاره الناخبين في فلوريدا لمنصب الرئاسة، وذلك استناداً إلى الأصوات التي تعتبر قانونية حسب قانون ولاية فلوريدا.

ولكن نتيجة إعادة عد الأصوات شكلت تحديا. وبصرف النظر عن المعيار الذي تم استخدامه يعتبر قانوني في كل الأحوال. فإن آل غور كان الفائز بفارق بسيط.

وبعبارة أخرى، لو سمح لولاية فلوريدا بعد جميع أصواتها القانونية، لما أصبح جورج بوش الابن رئيساً. ولكن هذه النتيجة أثارت غضب إدارة بوش والكثير من الأمريكيين الذي وقفوا مع بوش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. فكان قرار رؤساء تحرير تلك الصحف هو التلاعب بالخبر. وأغلب هذه الوكالات – نيويورك تايمز ومحطة CNN  وغيرها تجاهلت الأصوات القانونية لولاية فلوريدا، والتي علّم عليها الناخبين وكتبوا عليها خياراتهم، والتي سميت "بالأصوات المفرطة".

وبالادعاء كذباً، أن هذه الأصوات لم يتم عدها في عملية إعادة الفرز التي أمرت بها محكمة الولاية، والتي أوقفها حلفاء بوش في المحكمة العليا الأمريكية. فقد استمرت الوكالات الإخبارية في التظاهر بأن بوش هو الفائز الشرعي بولاية فلوريدا ومن ثم بالبيت الأبيض. وبالرغم من أن هذا التلاعب بالأصوات لاحظه عدد قليل من الصحف في ذلك الوقت، بما في ذلك مواقع الإنترنت. إلا أن الحقيقة المزيفة لفوز بوش بولاية فلوراد أصبحت جزءاً من المصفوفة الأمريكية. (لمزيد من التفاصيل أنظر الموضوع المنشور في Consortiumnews.com بعنوان "إذاً، قام بوش بسرقة البيت الأبيض" أو الكتاب "Neck Deep").

أسلحة الدمار الشامل العراقية

ثم واصلت المصفوفة الأمريكية نموها، حيث خضعت معلومات الاستخبارات الأمريكية للتلاعب حتى تتوافق مع غزو العراق. وكما يقول المحلل الصحفي سيمور هيرش، قامت مجموعة قليلة من منظري المحافظين الجدد بتسمية أنفسهم كابال، ومتمركزون في مكتب وزارة الدفاع للخطط الخاصة، وقامت بالتلاعب بالمعلومات الاستخبارية بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية للمساعدة في تبرير الغزو الأمريكي.

وكتب سيمور هيرش في صحيفة نيويوركر "تم تشكيل مجموعة كابال بواسطة مساعد نائب وزير الدفاع بول ولفويتز، أحد مهندسي سياسة بوش لتوجيه الهجمات الوقائية ضد من يعتقد أنهم أعداء أمريكا". مكتب هيرش مستشهداً بما ذكره مستشار البنتاغون الذي كان يدعم عمل مجموعة كابال لقد تم وضع خطط خاصة للبحث عن أدلة يعتقد وولفويتز ورئيسه دونالد رامسفيلد أنها صحيحة – بأن صدام حسين لديه علاقات وثيقة مع تنظيم القاعدة، وأن العراق لديه ترسانة هائلة من الأسلحة الكيميائية والجرثومية، وربما أسلحة نووية تهدد المنطقة، وكذلك الولايات المتحدة."

كما نقل هيرش عن مسئول الاستخبارات في إدارة بوش السابقة قوله أنها استقال لأنهم "كانوا يستخدمون المعلومات الاستخبارية من وكالة المخابرات المركزية وغيرها من الأجهزة، فقط عندما تكون متوافقة مع أجندتهم. المعلومات الاستخبارية التي كانت تصلهم، لم تكن تعجبهم، ولذلك قاموا بجلب أشخاص لكتابة ما أرادوا. لقد كانوا مخبولين لا عقول لهم ولا يمكن التفاهم معهم- إلى حد الغرابة. لقد كانوا دوغمائيين، كما لو كانوا مبعوثين لإنجاز مهمة بعينها بتكليف إلهي".

كما وجد هيرشمان أن ولفويتز وبعض كبار المحافظين الجدد في البنتاغون كلهم كانوا تلاميذ الفيلسوف السياسي ليو شتراوس، والذي كان يعتقد أن بعض الخداع في فن الحكم ضروري للشعوب. وقال ستيفن هولمز أستاذ القانون بجامعة نيويورك "الأمر برمته تعقد بسبب أفكار شتراوس-أو أفلاطون في واقع الأمر- بأن السياسيين يمكنهم إطلاق الاكاذيب النبيلة، ليس فقط للشعب بشكل عام، ولكن حتى للسياسيين الأقوياء أيضاً". (أنظر صحيفة نيويوركر 12 مايو 2003).

وبينما ساهمت فترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر بفتح هذه الآفاق الجديدة لتلاميذ شتراوس في البنتاغون لكي يخدعوا الشعب الأمريكي، كانت أيضاً تقدم فرصاً مغرية للشبكات الإخبارية الأمريكية لكي تقدم نفسها بكل الألوان الحمراء والبيضاء والزرقاء، بينما ترفرف راية اعتذار على الشبكات الاخبارية ومحطة فوكس ورائدها روبرت مردوخ ، كما أن محطة MSNCB المصنفة في المرتبة الثانية اغتنمت الفرصة الجديدة بحماس واضح. وهذه الشبكة، وهي نتاج تعاون بين شركتي مايكروسوفت وجنرال إلكتريك، تغلبت على معارض الحرب فيل دوناهو، وقبلت العنوان الذي اختارته الإدارة الأمريكية للحرب "عملية تحرير العراق وقامت بوضع العلم الأمريكي في زاوية شاشاتها، تماماً كما فعلت محطة فوكس".

وأثناء الحرب، أغرقت محطة MSNCB برامجها بالتحايا العاطفية للجيش، بما في ذلك ذكر بعض التعريفات الشخصية المختصرة للجنود الأمريكيين فيما أسمته "بشجعان أمريكا". كما كانت الشبكة تقوم بعرض صور ولقطات بطولية للقوات الأمريكية وصوراً أخرى للعراقيين وهم سعداء. لا وجود للصور الملوثة بالدماء والمستشفيات المزدحمة  ولا صور للأطفال المرعوبين والأمهات الثكالى. كانت تلك الإعلانات تحمل رسائل مثل "بلاد الشجعان" و"دع الحرية تأتي".

كما أن نشر إخفاقات الجيش الأمريكي خلال الأيام الأولى للحرب تسببت في ردود أفعال انتقامية سريعة. فعندما عبر المراسل الحربي المخضرم بيتر أرنيت عن ملاحظته لمحاوره في محطة تلفزيونية عراقية بأن مقاومة الجيش العراقي كانت أشد مما كان يتوقع المخططين العسكريين الأمريكيين.  طرده من شبكة NBC كما تم طرده من محطة MSNCB التابعة لها.

بعض مواقع الإنترنت، مثل هذا الموقع، كانت تتلقى رسائل إلكترونية غاضبة من القراء الغاضبين من أي قول يوحي بأن الحرب لم تحقق انتصاراً كاملا، أو أن إدارة بوش قامت بتغليف سيناريوهاتها في إدارة الحرب بأفكار خطيرة. حتى مجرد الإشارة إلى بعض الحقائق الواضحة مثل الفشل المبدئي لاستراتيجية القصف التي اتبعتها الإدارة الأمريكية، كان يثير الجدل.

اعتراف بوش

ومن المفارقات أن ترديد هذه الحقائق يمكن أن يحقق نتائج في النهاية، فقد اقر بوش نفسه بصحتها فيما بعد. "حيث قال مسببا الصدمة والرعب للكثيرين، كل ما كان بوسعنا فعله هو أن نطلق العنان للبعض، ثم يتبعهم البعض الآخر.. وهكذا يتحول المقاتلون اشد وأشرس مما توقعنا .. المقاومة لقواتنا التي كانت  متجهة صوب الجنوب والشمال كانت كبيرة". (محطة NBC مقابلة في أخبار المساء، 25 إبريل 2003).

وسائل الإعلام الأمريكية كما يفعل الشخص الجبان، كانت تقوم بالتلويح بالاعلام الأمريكية كلما كان ذلك ضرورياً. بينما محطة MSNCB بقيت في المرتبة الثالثة بين شبكات التلفزة الأمريكية، حيث قامت بنشر أعلى معدل دعاية للحرب، وأثناء المعارك القتالية، وبنسبة 124% مقارنة بالعام الذي سبق ذلك العام. بينما محطة فوكس نيوز الرائدة في هذا المجال بلغ معدلها 102% ، وبلغت CNN 91%. (صحيفة وول ستريت جورنال 21 إبريل 2003).

ومع أن بعض الأمريكيين تحولوا إلى قنوات BBC أو CNN العالمية بحثا عن تغطية أكثر موضوعية للحرب، إلا أن شريحة واسعة من الأمريكيين اختارت الشعور الوطني (والإحساس بأنها بخير) الذي تبنته قناتي MSNCB و فوكس نيوز. وصور القوات الأمريكية وهي محاطة بالأطفال العراقيين وهم يبتسمون كانت أكثر جاذبية من معرفة الحقيقة الكاملة.

إن القصة الكاملة لحرب العراق تتطلب اتخاذ قرارات مزعجة بشأن ذبح آلاف العراقيين وتشويه الأطفال، كما حدث للطفل الذي لم يتجاوز عمره 12 عاماً، والذي فقد كلتا يديه وأسرته بسبب القصف الأمريكي في يوم من الأيام.

وبالنسبة لبعض الأجانب، فالصورة الموحدة في الولايات المتحدة لتغطية الحرب، كانت توحي بأن أمريكا دولة شمولية.

كتب روبرت كرونويل في صحيفة الإندبندنت اللندنية: " بعض الأوقات، هنا في أمريكا ، تعيد لي الشعور الذي راودني في موسكو في العهد الشيوعي قبل 12 عاماً. أذهب إلى القنوات الفضائية، فأشاهد المراسلين وهم يلهثون وراء متابعة الحكمة الأخيرة من المصدر المألوف، وهو مسئول كبير في الإدارة الأمريكية .. لم يذكر اسمه" تاركين المشاهدين في زاوية ضيقة. يبدو أن الجميع يقف في جانب واحد، تماما كما كان الوضع عندما كانت راية المطرقة والمنجل ترفرف فوق الكرملين.

وقد تتبع كورنويل هذه التغطية الأمريكية وتأثير شبكة فوكس نيوز والتي أخذت الإشارة من رؤية بوش للعالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر – إما أن تكون معنا .. أو ضدنا-  وشبكة فوكس معه بكل تأكيد. لا يحق لفوكس أن تركن إلى الحقائق المزعجة مثل الأضرار الجانبية ، وضحيا العراقيين، وفشل القوات الأمريكية في حماية المكتبات والمتاحف. (صحيفة اندبندنت 23 إبريل 2003)..

معاقبة المعارضين

ولكن الشبكات الإخبارية والمحطات الإذاعية الأمريكية ذهبت إلى أبعد من ذلك، فأصبحت تشجع الحرب. وكانت تعمل كما لو كانت تابعة لإدارة بوش، وتبحث عن الأمريكيين الذين لا يتفقون مع سياسة الحرب وتسعى للقضاء عليهم. فقد واجهت الفرقة الموسيقية Dixie Chicks حملة منظمة لمقاطعة نشاطهم والقضاء عليهم، لمجرد أن أحد أعضاء الفرقة قام بانتقاد بوش.

قدمت محطة MSNBC برنامجا للمعلق الجمهوري جو سكاربوروف يتساءل لماذا يشتكي الممثلين سين بن وتيم روبنز الذين اتقدا الحرب، لماذا يشكيان من الانتقام. ويقول سكاربوروف ضاحكاً "لقد تم طرد سين بن من عمله، لقد ظهرت العواقب .. انتبه يا صاحبي".

وذكر سكاربوروف كمبرر لطرد سين بن من عمله، أنه تم طرد بسبب تعليق أدلى به سين بن عندما كان في رحلة إلى العراق قبل الحرب. قال سين بن "أنا لا استطيع أن أتصور أن هناك أي سبب يمكن أن يمنع الشعب الأمريكي والعالم من الاطلاع على الأدلة التي يدعون أنها بحوزتهم عن وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق". (محطة MSNBC 18 مايو 2003).

وكما تبين فيما بعد، تعليقات سين بن قبل الحرب كانت لا تزال سارية المفعول حتى يومنا هذا، مع سعي الولايات المتحدة وبريطانيا العظمي سعيا حثيثا للحصول على أدلة عن وجود أسلحة الدمار الشامل.

وقد يلجأ بعض مدراء الشبكات الإخبارية في دفاعهم عن موقهم بأن دورهم يتجاوز مجرد تقديم الحقيقة للشعب الأمريكي. فهم أيضاً معنيون بالوحدة الوطنية، وخصوصا في أوقات الأزمات. ولا يريدون أن يتهمهم الناس بالسعي لإضعاف القوات الأمريكية في الحرب.

ومع ذلك هناك خطر ماحق يتهدد كلا من الجنود والمدنيين الأمريكيين على حد سواء عندما تقوم وسائل الإعلام بتعقيم الحرب وتقديمها على أنها نظيفة وخالية من الشوائب. وبإخفاء الصور القبيحة للحرب عن الأمريكيين، تقوم وسائل الإعلام بتغذية الوهم بأن الحرب ليست مؤلمة، بل توحي بأنها مجرد نزهة لا تخلو من المرح، وهي شيء يجب المشاركة فيه. هذا النوع من التفكير الخامل يتسبب في قتل الناس، ويمكنه تبديد ثروات الأمم الأكثر قوة.

تأخرت الحقيقة

كان السناتور روبرت بيرد من أبرز السياسيين الأمريكيين الذين تحدثوا عن المخاطر التي تتعرض لها الديمقراطية والقوات الأمريكية نتيجة تفشي الكذب في الحكومة.

قال بيرد في إحدى جلسات مجلس الشيوخ في 21 مايو 2003 "لا يهم إلى أي مدى يمكننا نحن البشر أن نمارس التعتيم على الحقائق وخداع زملائنا، غير أن  للحقيقة قدرة فائقة تمكنها في نهاية المطاف من النفاذ والتسرب عبر الشقوق. ولكن الخطر يكمن في أن هذه الحقيقة لن تكون لها قيمة تذكر في نقطة معينة. والخطورة تكمن في أن الضرر قد وقع قبل أن تنكشف الحقيقة. والحقيقة هي أنه في بعض الأحيان من السهل تجاهل بعض الحقائق المزعجة، والتماشي مع حقائق مشوهة تجد الرواج في وقتنا الحاضر".

واستطرد بيرد قائلاً "وبالنسبة للوضع في العراق، يبدو بالنسبة لهذا السناتور أن الشعب الأمريكي ربما تم إغراؤهم لقبول هذا الغزو غير المبرر لدولة ذات سيادة، وفي انتهاك واضح لقوانين الأمم المتحدة.. وتحت حجج واهية .. إن الاندفاع نحو غزونا للعراق جعل الرئيس ووزرائه يحرصون على تبني أي صورة مخيفة، من الغيوم التي على شكل الفطر إلى مخابئ نفايات الحرب الجرثومية، إلى إرسال طائرات بدون طيارين محملة بالأسلحة الجرثومية لإلقائها على مدننا الكبرى ....".

وأضاف بيرد "لقد صُمم هذا التكتيك لإثارة ردة فعل قوية من أمة لا زالت تعاني من مزيج من الصدمة والغضب المبرر بسبب ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر. إنه استغلال الخوف. ومحاولة لإثارة غضب وهمي... وحاليا، يواصلون جنودنا المخلصون مهمتهم في البحث بجدية عن أسلحة الدمار الشامل. غير أنهم حتى الآن لم يجدو غير الأسمدة، والمكانس الكهربائية، وأسلحة تقليدية وحمامات السباحة التي تدفن من وقت لآخر. ويساء استخدامهم في مثل هذه المهمة. وهذا يجعلهم في خطر داهم".

وقال بيرد "ولكن هذه الضجة التي يثيرها فريق بوش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق كمبرر للقيام بغزو وقائي، أصبحت أكثر من محرجة". ثم أضاف سناتور فرجينيا المسن قائلاً "لقد أثار الأمر أسئلة جادة حول المراوغة والاستخدام المتهور للسلطة. فهل تم تعريض جنودنا للخطر دون أن نكون مضطرين لذلك ؟ وهل تم قتل وتشويه عدد لا حصر له من العراقيين في حرب لم تكن ضرورية ؟ وهل تم تضليل الشعب الأمريكي عمداً وعن قصد؟ وكذلك العالم؟"

والآن، هناك تمحيص أكثر لهذه الأسئلة في أوربا، حيث أن أبرز السياسيين والصحفيين يقومون حاليا بالتشكيك في الادعاءات التي أطلقها كل من بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير قبل الحرب. وقد أعلن وزير الخارجية البريطاني روبن كوك، الذي استقال من منصبه بسبب سياسات بلير المؤيدة للحرب: "قيل لنا أن صدام لديه أسلحة جاهزة للاستخدام ضدنا خلال 45 دقيقة. لقد مضت الآن 45 يوماً منذ أن انتهت الحرب، ولم نجد أي شيء حتى الآن".

وقال بول كيتش المتحدث لشئون الدفاع باسم حزب الديمقراطي اللبرالي المعارض "عدم وجود الأسلحة يعني أنه ليس هناك تهديد. وبدون أسلحة الدمار الشامل، فإن قضية الحرب تعتبر منهارة. ويبدو أنه إما المعلومات الاستخبارية كانت خاطئة، ويجب أن لا نعتمد عليها، أو أن السياسيين بالغوا في تصوير حجم التهديد". (صحيفة اندبندنت اللندنية 29 مايو 2003).

نقلت محطة BBC عن مسئول كبير في المخابرات البريطانية قوله أن الملف الذي قامت بجمعه حكومة بلير حول برنامج أسلحة الدمار الشامل العراقي المزعوم، قد تمت إعادة كتابته لكي يصبح أكثر إثارة، بما في ذلك إضافة ادعاء مشكوك فيه يقول أن العراقيين كانوا مستعدين لبدء ضربات بأسلحة الدمار الشامل خلال 45 دقيقة.

قال المسئول البريطاني: "لقد كان هذا الادعاء مدرجاً ضمن الملف بالرغم من رفضنا له، لأنه لم يكن ادعاء يمكن الاعتماد عليه. وأغلب الأشياء التي تضمنها الملف كانت ذات مصادر مزدوجة، غير أن ذلك الادعاء من مصدر واحد فقط، ونحن نعتقد أن ذلك المصدر كان خاطئاً". (BBC الاخبارية 29 مايو 2003).

الصحافة العالمية أيضاً تلقفت اعترافات أدلى بها مسئولين أمريكيين كبار يقرون فيها بأن الادعاءات قبل الحرب بوجود أسلحة دمار شامل ربما كان مبالغ فيها. وكان وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد في خطاب له في واشنطن، قد قال "من المحتمل أن العراقيين قرروا تدمير هذه الأسلحة قبل الحرب وأنا لا أعرف الجواب". وقال نائب وزير الدفاع ولوفويتز في مقابلة مع فانيتي فير، أن المزاعم بوجود أسلحة الدمار الشامل تم تشديدها لاعتبارات بيروقراطية "لأنه السبب الوحيد الذي يمكن أن يوافق عليه الجميع".

وقال الجنرال ديفيد كونواي الذي قاد أول قوة استكشاف لمشاة البحرية للصحفيين "ستظل مفاجأ بالنسبة لي كوننا لم نتمكن من الكشف عن الأسلحة الكيميائية .. في بعض المناطق انتشارنا الأمامية" حيث زعمت المخابرات الأمريكية أن هذه الأسلحة جاهزة لاستخدامها بواسطة قوات الحرس الجمهوري العراقي "لقد كنا ببساطة.. مخطئين".

تدمير المصفوفة

كما هو الحال مع مصفوفة الفيلم، الخطوة الأولى لتدمير هذه المصفوفة الأمريكية هي تزويد الناس بالحقيقة كاملة ، حتى وإن كانت هذه الحقيقة صعبة ومزعجة. لماذا كانت الخطوة الأولى صعبة، لانه هناك عدد قليل من وسائل الإعلام التي يمكن أن تقف في وجه تمليك الحقائق كما هي.

 غير أن التحديات طويلة المدى للمصفوفة الأمريكية ربما تأتي من المنطق الصعب الذي يتعلق بسياسات الميزانية. فخلال أقل من ثلاث سنوات من توليه منصب الرئاسة، تسبب بوش في فجوة عميقة جداً في الميزانية أدت إلى تحويل 5.6 ترليون دولار من الفائض الذي كان متوقعا خلال السنوات العشر من عام 2002 وحتى عام 2011 قد تحول إلى عجز بلغ مبلغ 3.6 ترليون دولار، بتحويل مبلغ 9 ترليون دولار من الفائض إلى العجز. (واشنطن بوست 31 مايو 2003)  كان من المتوقع أن يساعد فائض الميزانية الأمريكية في دفع مستحقات التقاعد لجيل الطفرة، ولكن الآن، يبدو أن خطر تحطم قطار المزانية بات أمراً لا مفر منه.

إن فشل سياسات بوش في خلق فرص عمل جديدة ربما يكون جرس إنذار آخر للأمريكيين. فمنذ أن تولى بوش منصب الرئاسة، فقد الاقتصاد الأمريكي أكثر من مليوني فرصة عمل، تاركا حوالي 9,2 مليون من الأمريكيين بدون عمل. وقد كتبت صحيفة وول ستريت جورنال: "تشهد الولايات المتحدة في هذه المرحلة من حالة ركود في سوق العمل لم يسبق لها مثل منذ فترة الكساد الكبير. وقد خلف هذا الركود شريحة واسعة من العمال من الشباب والمسنين – ومن الطلاب الذين توقفوا عن مواصلة التعليم في المرحلة الثانوية .. إلى الذين حصلوا على التعليم العالي. (وول ستريت جورنال 29 مايو 2003).  

ونشرت Time magazine ، بالنسبة للمحظوظين الذي تهيأت لهم فرص عمل جديدة أصبحوا مضطرين أن يواجهوا تخفيضات حادة في الأجور، كما هو الحال بالنسبة للكثيرين الذين يريدون المحافظة على وظائفهم القديمة.

كما أشارت Time magazine إلى أن "النتيجة النهائية للضغوط المختلفة على الأجور: خلال الشهور الثلاثة الأولى من عام 2003، انخفض متوسط الدخل الأسبوعي المعادل للتضخم بنسبة 1.5%، حسب ما ذكرت وزارة العمل الأمريكية. هذا التآكل في الأجور يفسر جزئياً السبب في إظهار مجلس الاحتياطي تضايقه الواضح من خطر حدوث الانكماش ، ووقوع دوامة أسعار ربما تؤدي إلى شلل اقتصادي". (Time magazine 26 مايو 2003).

لو تسلح الشعب الأمريكي بالمزيد من الحقائق، ربما يكون بمقدورهم رؤية الواقع المزيف الذي يتم فرضه من خلال صور الحرب التي توحي بالرضا. فإذا كان هذا التغيير سريعاً بما يكفي من المحتمل أن يتغير هذا الوضع، وقد ينقذ البلاد من عواقب سياسية واقتصادية شديدة الخطورة. ومع ذلك، بدون أن يكون هناك استثمار للموارد والمواهب وسائل إعلام أمينة وصادقة، ربما تبقى المصفوفة الأمريكية الحقيقة الوحيدة التي ستكون متاحة لغالبية الأمريكية.


(لقد تم نشر هذا الموضوع لأول مرة في 2 يونيو 2003م).

المصدر: http://consortiumnews.com/2013/04/03/americas-matrix-2/


مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2+subscribe@googlegroups.com - أرشيف الرسائل





--
--
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية.
 
يمكن مراسلة د. عبد العزيز قاسم على البريد الإلكتروني
azizkasem1400@gmail.com
(الردود على رسائل المجموعة قد لا تصل)
 
للاشتراك في هذه المجموعة، أرسل رسالة إلكترونية إلى العنوان التالي ثم قم بالرد على رسالة التأكيد
azizkasem2+subscribe@googlegroups.com
لإلغاء الاشتراك أرسل رسالة إلكترونية إلى العنوان التالي ثم قم بالرد على رسالة التأكيد
azizkasem2+unsubscribe@googlegroups.com
 
لزيارة أرشيف هذه المجموعة إذهب إلى
https://groups.google.com/group/azizkasem2/topics?hl=ar
لزيارة أرشيف المجموعة الأولى إذهب إلى
http://groups.google.com/group/azizkasem/topics?hl=ar
 
---
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في المجموعة "مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية (2)" من مجموعات Google.
لإلغاء اشتراكك في هذه المجموعة وإيقاف تلقي رسائل إلكترونية منها، أرسِل رسالة إلكترونية إلى azizkasem2+unsubscribe@googlegroups.com.
للمزيد من الخيارات، انتقل إلى https://groups.google.com/groups/opt_out.
 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق