| 1 | عرض كتاب: أمريكا تريد والله فعّال لما يريد عن إسلام ديلي |
| كيسنغر اقترح احتلال حقول نفط الشرق الأوسط: في كتابنا "نذر العولمة" الذي صدر سنة 1998 تساءلنا "هل يستطيع العالم أن يقول لا للرأسمالية المعلومالية" . في هذا الكتاب نبين أن العالم قد قال لا بالقلم العريض . الأزمات الاقتصادية المتعاقبة، والعولمة، وأدواتها المالية كالمشتقات المالية اعتمدت على مبدأ أن هناك أحمق يولد كل دقيقة، أما العولمة فاعتمدت على مبدأ أن العالم قد أصبح مسرحاً للتفتيش عن هؤلاء الحمقى، وقد وجدوهم في كل مكان . قال صمويل هنتغتنون "لم يربح لغرب العالم بسبب تفوق أفكاره أو قيمه أو ديانته، وإنما ربحه بسبب تفوّقه في استعماله للعنف المنظم، والغربيون غالباً ما ينسون هذه الحقيقة، أما غير الغربيين فلا ينسونها أبداً" . الأزمة الاقتصادية الاخيرة وحروب الإرهاب الغربي في العالم الإسلامي مباشرة أو عن طريق الوكلاء كما في فلسطين والعراق وأفغانستان وباكستان وغيرها، هي مسامير في نعش المشروع الامبراطوري الأمريكي الذي جعل من "العولمة" حصان طروادته . معلومات النشر: عنوان الكتاب: أمريكا تريد والله فعّال لما يريد . المؤلف: د. عبد الحي زلوم *. عندما قرّرت شبكة تلفزيون الجزيرة المعروفة، عمل حلقتين وثائقيتين مدة كل منهما ساعة حول كتابي "حروب البترول الصليبية أمريكا بعيون عربيةً"، قمت ومخرج الحلقات بوضع قائمة بالشخصيات التي ستتم مقابلتها، استناداً إلى من تم الاستشهاد بأقواله من تلك الشخصيات في كتابي، ومن بين هؤلاء كان جيمس إيكنز، وهو سفير سابق للولايات المتحده لدى العربية السعودية أوائل سبعينيات القرن الماضي، خلال الصدمة النفطية الأولى . وفي كتابي ذاك استشهدت أيضاً بدراسة لكلية الدراسات العليا لإدارة الأعمال في جامعة هارفارد، والتي ورد فيها أن احتلال حقول النفط العربية كان بديلاً سياسياً مطروحاً في أوائل السبعينيات، وذكرت قصة كان رواها إيكنز حول الموضوع نفسه، وكان أن قابلت الجزيرة إيكنز لغرض المسلسل الوثائقي، وفيما يلي النص الدقيق لما قاله السفير إيكنز وكما تمّ بثه في قناة الجزيرة: "عندما طلع علينا كيسنغر بخطته لاحتلال حقول نفط الشرق الأوسط، سُئلتُ عمّا كان قد نُشر في مقالة بمجلّة "هاربر" كُتبت من قبل كاتب مجهول دعا نفسه "الجندي المجهول"، ولم يعرف أحد حقيقة هويته إلا بعد ردح من الزمن . وكان كاتب المقالة اقترح على الولايات المتحده احتلال حقول النفط العربية من الكويت وحتى دبي، مع إحضار موظفين من تكساس وأوكلاهوما لتشغيل هذه الحقول، وترحيل جميع مواطني هذه البلدان إلى نجد "في العربية السعودية)، بحيث تخلو المنطقة بكاملها من مواطنيها العرب، ونقوم نحن بإنتاج النفط لمدة الخمسين أو السبعين سنة القادمة إلى أن تجف حقول النفط . بحثت الخطة مع أرامكو "شركة النفط الأمريكية السعودية) فارتعبوا، إذ من السذاجة بمكان أن يجول بخاطر المرء مثل هذا الحلم، وقد سألتني وسائل الإعلام الأمريكية عن هذه الخطة، وكنت حينها سفير أمريكا لدى العربية السعودية، فأبلغت وسائل الإعلام الأمريكية بأن من يفكر بحل أزمة الطاقة الأمريكية بهذه الطريقة، إما أن يكون مجنوناً أو مجرماً أو عميلاً للاتحاد السوفييتي، ويبدو أن هذه الكلمات لم تسّر ذاك الذي كتب مقالة "هاربر"، وكنت أعتقده أحد حمقى وكالة الاستخبارات المركزية أو البنتاغون، حيث لم أكن أعرف بعد من قد يكون، وأخيراً عرفت: لقد كان رئيسي كيسنغر، حيث لم ألبث بعدها أن طُردتُ . إن كُهّان الرأسمالية وإعلام شركاتها، استخدموا مَنَهج "الضربة الإجهاضية" أبكر كثيراً من الوقت الذي أصبحت فيه هذه الكلمة مشهورة بعد عقيدة بوش في الحروب الإجهاضية . حيث- كما يبدو- إن ابتداعهم ل "نظرية المؤامرة" أرادوا بها إجهاض أي فكر حر في مهده وإبعاده عن التحقيق في مؤامراتهم الحقيقيه، ولهذا تغدو "نظرية المؤامرة" في حدّ ذاتها مؤامرة! قال الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون سنة 1913: "منذ دخلت معترك السياسة، عملت وبشكل رئيس على أن يفضي الرجال إلي بوجهات نظرهم على انفراد، إذ إن بعضاً من أكبر رجالات الولايات المتحدة في مجالات التجارة والصناعة كانوا يخشون شيئاً ما، حيث كانوا يعرفون أن هنالك في مكان ما، قوة ما، بالغة التنظيم، شديدة الدهاء والمكر، شديدة اليقظة، شديدة الترابط وشديدة الفساد . بحيث إنه من الأفضل لهم أن لا يتحدثوا عنها إلا همساً عندما يشجبونها" في "الديموقراطية" الأمريكية قاد رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي "FBI" إدغار هوفر، سياسيي واشنطن بمن فيهم رؤساء الجمهورية لاكثر من خمسين عاماً . دعنا نعطي مثالاً لما ورد في تسجيل في البيت الأبيض بين الرئيس رتشارد نيكسون ووزير عدليته متشل . الرئيس نيكسون: "لعدة أسباب يجب أن يستقيل "كان يتحدث عن هوفر) . . يجب أن ينصرف ويكفينا شره، أستطيع الآن، وأشك في ذلك، أن أتصل به على الهاتف وأتحدث إليه بشأن استقالته . إن هناك بعض المشاكل، فإذا استقال فيجب أن يكون قد استقال بمحض إرادته، ولهذا ومن أجل هذا فنحن في مشكلة عويصة . أعتقد أنه سيظل رابضا على صدورنا إلى أن يبلغ المئة من عمره" . وزير العدل: "إنه سيظل في منصبه إلى أن يدفن هناك، في الخلود . ." الرئيس نيكسون: "أعتقد أنه يتعين علينا أن نتحاشى الموقف الذي يجعله ينصرف مفجراً وراءه قنبلة كبيرة، فربما يكون هذا الرجل قادرا على جر الجميع معه إذا سقط، بمن فيهم أنا، وستكون مشكلة عويصة" . كان تقدير الرئيس ووزير عدليته للموقف صحيحا؛ لأن رئيس جهاز FBI بقي في منصبه إلى أن رحل عن هذه الدنيا . وعندما سمع الرئيس نيكسون الأنباء قال: "يا إلهي، يا إلهي هذا الفاسق العجوز" . ولقد تصور البعض بأن رؤساء الدول الأجنبية يخشون مؤسسة الأمن القومي الأمريكية، ولكن لم يخطر ببال أحد أن الرؤساء الأمريكيين أنفسهم، ومنهم نيكسون Nixon وكذلك قادة آخرون كثر، ومسؤولون كبار ومشرعون منتخبون، كلهم أعربوا حرفياً عن تخوفهم من منظمة الأمن القومي الأمريكية، تلك المنظمة التي يفترض أنها معنية بالأمن لا بترويع القادة والرؤساء . أحد نوّاب هوفر اعترف قبل موته بأنه كان الموجّه لصحيفة "الواشنطن بوست" في قضية "ووترغيت" التي أطاحت الرئيس نيكسون! لإعطاء صدقية على لجنة تحقيق في اغتيال الرئيس كنيدي، طلب الرئيس الأمريكي جونسون من رئيس المحكمة العليا القاضي إيرل وارن رئاسة التحقيق، لكنه رفض بشدّه . وفجأة تغير موقف وارن، وتعجبت الناس عن سبب هذا التغيير المفاجئ . حسب تسجيل صوتي بين الرئيس جونسون والسناتور ريتشارد رسل، كما هو في مكتبة الرئيس جونسون، وكما ورد في كتاب "عائلة الأسرار" كما يلي: "رفض وارن طلبي لرئاسة اللجنة بشكل قطعي . . .جاء إلى مكتبي مرتين وأخبرني ذلك . عندما أعلمته عن حادثة حصلت معه في مدينة نيو مكسيكو كان قد أطلعني عليها هوفر "مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي)، عندها بدأ وارن يجهشُ في البكاء وقال لي، لن أخذلك- سأفعل أي شي تريده مني" . عندما قام عميل إف بي آي آندي كورينز بالتدقيق في الدفعات التي يتلقاها "مستشار" كاستيلاّنو "زعيم إحدى عصابات المافيا)، دون أن يبدو بأنه يؤدي عملاً مقابل ذلك، أظهر الأخير بوضوح معاداته للنفاق الذي يتمتع به النظام، إذ أخبر عميل إف بي آي، إذا كنت تعتبر هذه جريمة يا آندي فإنه من الأجدر بكم إذن أن تبنوا سجوناً أكثر مما لديكم بكثير، لأنه سيتعين عليكم سجن أكثر من نصف سكان هذا البلد البائس، بدءاً بعصبة الزنابير الصغيرة (كناية عن البيض الأنغلوساكسونيين البروتستانت) بصناديقها المالية، ثم وكلاء مضاربات الأسهم، فأجابه آندي كورينز "ولكن يا جو أنت تتحدّث عن سُلّم رواتب بينما أتحدّث أنا عن مؤامرة إجرامية"، عندها أجاب رجل المافيا ذو الشعر الأبيض بصوت كالفحيح "مؤامرة! تقول مؤامرة؟! تلك هي كلمتكم السحرية أيها الفتيان! ولكن دعني أسألك شيئاً، ما الذي ليس مؤامرة؟ السياسة؟ دعني من هذا! شارع المال ( وول ستريت)؟ كلانا يعرف أنه ليس سوى رخصة للسرقة، لا يا آندي، إنها كلها ليست سوى مؤامرات، والفرق الوحيد في ذلك أنكم تقومون بكشف البعض منها، بينما تتسترون على البعض الآخر" . مصداق ذلك مؤامرة رجل شارع المال "وول ستريت" برنارد مادوف والذي أصبح رئيساً لسوق أسهم ناسداك، دون أن يكتشف أمره لأكثر من أربعين سنة، حيث اختلس 64 بليون دولار دون أن يُقبض عليه من أحد! لقد قام هو بذاته بتسليم نفسه! أما عقوبة مادوف فكانت سجن "خمسة نجوم" فيه ملاعب للتنس وبرك سباحة وناد رياضي ومكتبة . لا اعتذار منّي هنا عن الاستشهاد بأقوال شخصيات مافيا بارزه، ذلك أن مؤسسات الأعمال الكبرى اليوم، على الأقل، البعض منها، كانت بالأمس مؤسسات عمل مافيوية، ولنأخذ آل كنيدي مثالاً، حيث يمثلون واحدةً من أفضل الصور التي خلقها صنّاع الصور الاجتماعية، إذ لا يذيع زعيم المافيا كوستيللّو سّراً عندما يؤكد أن جوزيف كينيدي إنما صنع ثروته نتيجة لتحالف بينه وبين الجريمة المنظّمة، خلال فترة تحريم الخمر وتهريبه في أمريكا، ولم يكن الرئيس روزفلت يعطي الكثير من الاحترام لجو كينيدي، فقد وصفه بأنه "لصّ، وواحد من أكثر الرجال الأشرار المقززين الذين عرفهم"، ومع ذلك فإنّ هذا اللص الشرّير المقزّز، كما تم وصفه من قبل الرئيس روزفلت، قد عيّن في واحد من أهم المناصب في ذلك الوقت وأكثرها حساسية: سفيراً لدى المملكة المتحده خلال الأيام الحرجة للحرب العالمية الثانية . وللمرء أن يستغرب ممارسة الرئيس لهذه الازدواجية، وأن يتساءل عن ماهية القوى التي جعلته يمارسها .أمّا ترومان فاعتبر جو كينيدي محتالاً كبيراً، بينما عين أيزنهاور - تمشيا مع رأي أسلافه من الرؤساء - جو كينيدي عضواً في مجلس إدارة المخابرات الأجنبية، وهي واحده من أكثر إدارات المؤسسة الحاكمة نفوذاً . لو قلنا إن الولايات المتحدة قد أصبحت أكبر دولة بوليسية في العالم، لقامت قائمة أنصارها ولم تقعد، لكن هذا ما أوحت به كبريات الجرائد الأمريكية "الواشنطن بوست" في تحقيق صحفي عبر ثلاث مقالات استغرق تحضيرها ستنين وعمل خلالها عشرون من كبار صحافييها . كانت المقالة الاولى بتاريخ 19/7/2010 والتي جاء فيها: * هناك 1271 مؤسسة حكومية تساعدها 1931 شركة تخدمها ضمن أجهزة الاستخبارات، والامن الداخلي ومكافحة الإرهاب . * وهناك 854000 شخص ضمن هذه الاجهزة ممن يحملون تصاريح بالاطلاع على التقارير "سرّي جدّاً" وهذا العدد يزيد مرّة ونصف على عدد سكان العاصمة واشنطن! * هناك 33 مركزاً في واشنطن وحدها مخصصة لأعمال المخابرات السرّية جداً، مساحة أبنيتها تعادل 17 مليون قدم مربع (نحو 7 .1 مليون متر مربع) . * وصل هذا التحقيق الصحفي إلى أن "سلطة رابعة قد نشأت وهي مُغيّبة تماماً عن أعين الشعب الرقابية بستار من السرية الفائقة، لقد أصبحت كبيرة جداً، وحدود مسؤولياتها ضبابية . بحيث إن قادة الولايات المتحدة لا يمسكون بزمامها، وهي موجودة في كل مكان في أرجاء الولايات المتحدة" . الفرق بين هذه الدولة البوليسية "الديموقراطية) ودول العالم الثالث البوليسية، أن قادة هؤلاء يمسكون في أكثر الاحيان، بأجهزة مخابراتهم والتي هي متنفسهم وحبل وريدهم . ولعل قليلاً من الديكورات المستعارة من الديموقراطية الأولى في العالم تسبغ على أنظمتهم شرعية السلطة الرابعة كما في الولايات المتحدة . المعلومالية: عبادة المال، والكذبُ "ملح" النظام . الكاتب الأمريكي المرموق والاستراتيجي السابق للحزب الجمهوري، فيلبس، يلخص عوامل ثلاثة تجعل اخلاقيات ومبادئ شارع المال "وول ستريت" دِيناً ما أنزل الله به من سلطان، حيث كتب: "بالإضافة إلى عبادة قوى السوق، الاعتماد على احصائيات كاذبة فقد تبنّى مُلاّك "المعلوماليه" قوة الدين لتخدير الأصوليين المسيحيين من شتى الألوان، والذين تمّ إشغالهم (عن الواقع الاقتصادي والسياسي المهيمن) بمواضيع الإرهاب والشر والإسلام . . . ويتابع فيلبس: "نحو أربعين في المئة من ناخبي الحزب الجمهوري، قد تركوا اقتصادات أجدادهم من الحركة الشعبية . . وأصبح همّهم الخلاص عن طريق السيد المسيح، والتخوّف من الإسلام، ومتابعة النبوءات الإنجيلية وهي تتحقق في زئير حروب الشرق الأوسط" . ما دمنا في نهاية العالم، الذي سيشهد دماراً تاماً، وقد أصبح مجيء المخلص الأكبر على الأبواب، فماذا يضيرنا هذا الظلم من حولنا، ما دام يوم الخلاص قد أصبح قريباً! قلنا إن أصحاب العقيدة الرأسمالية، يُلمعون كهّانهم ممّن أسَمْوهم "اقتصادي العصر"، ليصبح هؤلاء رُسُلهم لترويج أكاذيبهم تحت أجمل المسميات وبأحدث طرق التسويق وغسل الدماغ . كان كينز كبير كهنتهم أيام الكساد الكبير، فأصبحت أرثوذكسيته الكينزية هي المرجع لهؤلاء، وإذا ما قال كينز، فصدّقوه . كانت الجماهير الأمريكية تلعن وول ستريت وأصحابه ومؤسساته المالية التي سببت لهم الدمار، وبقي الأمر كذلك إلى أن انقرض جيل الكساد الكبير خلال عقدين بعد الحرب العالمية الثانية . فجاء كاهن كبير آخر اسمه ميلتون فريدمان وقال: إنّ مبادئ وعقيدة الكينزية هي الخطأ الفاحش بل هي الكفر بعينه، ودعا إلى أن تكون الأسواق (أسواق من؟) هي الحَكَم الأول والأخير، فهي الحكم الكفؤ الذي يستطيع أن يقرر من يكون ومن لا يكون! جاؤوا بنظرية السوق الكفؤ "Efficient Market Hypothesis" اتركوا السوق وحده، فككوا قوانين كينز وغيره، دعوا السوق يعمل بكفاءة، وهذا هو خلاصكم! بدأت جوقه مدرسة شيكاغو الاقتصادية تعزف هذه الألحان نفسها، ومن بعد تمهيد وغسل دماغ الرأي العام، جيء من هوليوود بممثلٍ من الدرجة الرابعة، كان يعمل ممثلاً مروّجاً لإعلانات "شركة جنرال الكترك" حيث نصّبوه رئيساً، لأكبر دولة في العالم وكان اسم هذا الممثل: الرئيس: هو رونالد ريغان، وجيء في الوقت ذاته بمارغريت ثاتشر، فأصبحت الرأسمالية الأنغلوساكسونية - على ضفتي الاطلسي - تعزف أنغام مدرسة شيكاغو وميلتون فريدمان نفسها بتفكيك القوانين الرقابية وترك أسواق المال في وول ستريت ولندن على عواهنها . وما هي إلاّ سنوات حتى جاء انهيار أسواق المال، حيث خسر مؤشر داو جونز في انهيار 1987 ثلاثة وعشرين في المئة من قيمته السوقية في يوم واحد! ولولا تدخل الدولة- نعم الدولة التي اعتمد النظام الجديد على إبعادها عن السوق - لانهار النظام بأكمله . لم يكن تدخل الحكومة لحماية بارونات شارع المال من حماقات أنفسهم حادثاً فريداً، بل تمّ مأسسته سراً "في عهد الرئيس ريغان . فحسب الوثائق والتقارير الصحفية التي ظهرت لاحقاً، تبين أن إدارة ريغان "وكان وزير ماليته كالعادة من وول ستريت) قد شكلت لجنة اسمها (فرقة الحماية من السقوط) بقيت تعمل منذ ذلك الوقت سرّاً حتى اضطرت إلى الظهور أيام الأزمة الأخيرة . وال PPT هو تآلف يتكون أساساً من وزير المالية (الذي يأتي دوماً من وول ستريت) ورئيس البنك المركزي- بالتناغم مع عدد محدود جداً من كبار لاعبي وول ستريت، بحيث يتم شراء ما يسمى "Stock Index Futures" أوقات الأزمات لرفع قيمة الأسهم الأمريكية . كان تآلف بولسن "Paulson" وزير خزانة بوش، وبرنانكي (رئيس البنك المركزي) أيام الأزمة الأخيرة هو تجسيد لPPT الذي أُضطر أصحابه للخروج من جحورهم بسبب ضخامة الأزمة . كانت الحكومة تأخذ الحذر الشديد لإتمام هذه العمليات بسرّية فائقة، حيث إن انكشافها كان سيؤدي إلى دعاوى قضائية لها أول وليس لها آخر، لذلك فقد كان من شروط حزمة الانقاذ الأخيرة طلب وزير المالية بولسن الحصانة القانونية ضدّ أي مقاضاة- كائنة ما كانت - وعلى أن يكون استعماله لأموال دافعي الضرائب حسب ما يراه مناسباً . أما وأنه قد جاء من وول ستريت وسيعود إليه، فقد كان إنقاذ مؤسسات وول ستريت هو هدفه الأول والأخير . إذا كان الكذب عند العرب هو "ملح الرجال" حسب أحد أقوالهم الشعبية، فالكذب - كما يبدو-هو أساس النظام في الرأسمالية . لكن أن تقوم الحكومة بمأسسة الكذب بإحصائياتها لاغتصاب حقوق المساكين والضعفاء، فهذا منتهى اللا أخلاقية، لنظام لا يدّعى أصلاً أن له أخلاق . فمؤشر أسعار السلع الاستهلاكية كان يعتمد على سلة من البضائع يتم استعمال أسعارها الحقيقية . كان ذلك حتى عقد التسعينات من القرن الماضي . وفي خلال ذلك العقد تم حذف مادتي الغذاء والوقود من تلك السلة، وهي الموادّ الأكثر زيادة وتأثيراً في الاسعار، وذلك ليصبح معدّل التضخم أقل مما كان عليه، وذلك لأن رواتب المتقاعدين مرتبطة بغلاء المعيشة . كذلك فإن غلاء المعيشة يؤثر سلباً في حسابات الدخل القوميGDP . ولقد قام بعض الاقتصاديين بعد ذلك بقياس هذا التأثير بأن قاموا باحتساب CPI بإبقاء الغذاء والوقود ضمن السلة كما كانت، فكانت النتيجة زيادة 3% عن الأرقام التي تنشر ونشرت بعد التغيير المذكور أعلاه . صدّق أوباما نفسه بأنه أصبح رئيساً لأقوى دولة في العالم . كان أول من عيّنه في البيت الأبيض رئيساً لديوانه ليس يهودياً أمريكياً فقط، ولكن "إسرائيلياً" خدم في الجيش "الإسرائيلي" . سلم مفاتيح الخزانة الأمريكية إلى ثلاثي جاؤوا من وول ستريت وبرضاه: وزير الخزانة هنري بولسن، ورئيس البنك المركزي بنيامين شلومو برنانكي، وتم غيثنر، حيث كانوا المجلس المصغر لفتح صنابير الخزانة الأمريكية إلى أبناء جلدتهم . لم يسأل أحد، كيف تسنّى لأقليه تدّعي أنها لا تمثل سوى 5 .1 % من مجموع السكان الأمريكان أن يكون 100% من قرارات أزمة المال في أيديها . أما عن السياسة فحدث ولا حرج . أراد بعض صهاينة أمريكا إنقاذ "إسرائيل" من شرور أنفسها، بفرض حل الدولتين، قبل أن يجعله ديمغرافيا التكاثر الفلسطيني أمراً مستحيلاً خلال عشر سنوات، حيث سيصبحون هم الأكثرية في عقر دارهم . وكانو يعتقدون أن غلاة المتشددين هم أعداء أنفسهم . بناء على رغبتهم وتوعد أوباما وهدد، وكان لقاؤه الأول في البيت الأبيض متوتراً مع نتنياهو، الذي أصرّ على مواقفة بخصوص كل شيء، لكن اللوبي اليهودي يتبع من يحكم في "إسرائيل" كائناً من يكون، فبدأ عمله وبدأ أوباما بالتراجع المهين . كتب الكاتب الأمريكي روبرت دريفوس يهودي الديانة مقالاً بتاريخ 12/7/2010 في مجلة "ذي نيشن" المعروفة، يعلق فيه على زيارة رئيس الوزراء "الإسرائيلي" نتنياهو في 6/7/2010 لواشنطن والتي أذعن فيها اوباما لشروط نتنياهو قال فيه: "أقام رئيس الوزراء "الإسرائيلي" نتنياهو مستوطنة غير شرعية أخرى، لكن هذه المرة على أراضي البيت الأبيض، ويبدو أن الرئيس الأمريكي أوباما قبل أن يكون حارساً لهذه المستوطنة" . حتى إن "الحُرْمة" الكاتبة الأمريكية "دانا ميلبانك" كتبت في اشهر الجرائد الأمريكية "الواشنطن بوست" الواسعة التأثير والصادرة في واشنطن والمملوكة من عائلة يهودية في 7/7/،2010 اليوم التالي للزيارة اياها: "لعل ما يجب أن يفعله موظفو البيت الابيض بعد زيارة نتنياهو للرئيس اوباما، هو أن يرفعو العلم الابيض مستسلمين" . عندما بدأ انصار نتنياهو يهاجمون اوباما ويتهمونه بمعاداته للسامية، وانبرت لهم مجلة تايم Time بتاريخ 27/5/2010 كتبت: "لو نظرنا الى الايحاءات "الإسرائيلية" بأن اوباما تُدغدغه شعور اللاسامية، فإن مثل هذا الاتهام يثير دهشة مساعدي الرئيس" يقول بن رودس (مساعد مستشار الأمن القومي للاتصالات الاستراتيجية) . لقد كانت العائلات اليهودية القوية في شيكاغو هي التي ساعدت على تنظيم وتمويل حملته الانتخابية، كما أن ابن عم زوجة اوباما هو من أكبر الحاخامات السود الناشطين في الوسط الأمريكي . يبدو أنني كنت متفائلاً حين كتبت حين انتخب اوباما رئيساً وقبل دخوله البيت الابيض "باراك أوباما وإيهود باراك لا فرق" فهذا العنوان يوحى بالنديّة . لكن حسب معلق أمريكي آخر كتب ان "واشنطن والبيت الابيض هما تماماً كالضفة الغربية وغزة والجولان أراض محتلة" فالأحرى أن يكون عنواني اليوم "أوباما وعباس لا فرق"، كلاهما يدير سلطة وطنية تطالب بحكم ذاتي بعيد المنال! قال ألبرت آينشتاين: "المشاكل التي نواجهها اليوم لا يمكن حلهّا من قبل العقول نفسها التي خلقتها" . وأنا أضيف: ولا من ذلك النظام الذي تسبب في خلق تلك المشاكل . العالم الذي قال لا للمعلومالية كتب وليام جريدر، مؤلف كتابCome Home America أحد أكثر الكتب مبيعاً في قائمة جريدة النيويورك تايمز ."لدي أشياء قاسية أقولها عن وطني، ففيما وراء الركود الاقتصادي والأزمة المالية . . . نحن في مشكلةٍ أعمق مما يفترض الكثير من الناس، أو مما ترغب السلطات في الاعتراف به . ولست أرى طريقاً لطيفاً لقول ذلك، فأمريكا "كرقم واحد" قد انتهت، فالولايات المتحدة تتجه للسقوط، وهو قصاص شديد، سيفرض على مجتمعنا تحولات مشوهة ومؤلمة، كما سيوجه لطماتٍ مذلة لكبريائنا الوطني، وقادني تفكيري في هذه الأشياء إلى الاستنتاج بأن أمريكا في أزمة أعمق مما يعتقد بشكلٍ عام، وبأن استعادة عافيتنا القومية سوف يقتضي تغيرّاً كبيراً . . تحولاً تاريخياً في طرائق عيشنا وعملنا، وكذلك في الطريقة التي نحكم بها" . كتابي الأول الذي نُشر في 1998 المعنون : نُذر العولمة كان عنوانه الفرعي: هل يستطيع العالم أن يقول لا للمعلومالية؟ أصبح واضحاَ أن العالم قال لا بالقلم العريض . وفي ذلك الكتاب الذي نُشر في 1998 كتبت في المقدمة: "إن الأدوات التكنولوجية ووسائل العولمة هذه ليس مرغوباً بها فقط، وإنما هي تطور تاريخي حتمي، ندعو إلى انتهال علومه حتى الإدمان ومعرفة أدواته وأسراره ومواكبتها . لكن هذه الوسائل هي عربة العولمة، والمشكلة تكمن في الأنظمة والحضارة التي تم تركيبها داخل هذه العربة . فكما أي عربة، فيمكن أن تكون وسيلة خير أم وسيلة شرّ، وذلك يعود لطريقة استعمالها ومن يقودها . إن ثقافة وأنظمة العولمة يقودها الآن نظام امتصاصي طفيلي حوّل الاقتصاد العالمي إلى كازينو للمقامرة بثروات الآخرين وقدراتهم . كما أورثت حضارة العولمة التي يتم الترويج لها ثقافة الاستهلاك، وإطلاق العنان للشهوات والرغبات، والتفكك الأسري، والجريمة المنظمة، وخلقت دوماً في كل مجتمع وأمة طبقة الواحد في المئة المستولية على مقدرات تلك الأمم، في حين خلقت عوالم ثالثة من بقيّة شعوبها، ربّها كفافها في أحسن الأحوال . حتى يتراءى لك وأنت في بعض أحياء نيويورك أو لوس انجلوس وكأنك في بنغلادش! . . إن أهم دعامتين للعولمة هما المال والاعلام . ولقد دمجنا كلمتي المالية والمعلوماتية لينتج عنها مصطلح جديد أسميناه بالرأسمالية المعلومالية - تماماً كما دمجنا الكلمتين بالإنكليزية واسميناهماانفوفينشال Infofinancial Capitalism، وهي الرأسمالية الانجلوأمريكية نفسها التي يبشّر بها النظام العالمي المتعولم الجديد كدين ما أنزل الله به من سلطان . ولقد عطل النظام المعلومالي دور المال التاريخي من خادم للاقتصاد المنتج إلى عبء عليه، وتمّ تسخير المجتمع كله لخدمة النمو الاقتصادي بدلاً من أن يكون النموّ خادماً للمجتمع، وتمّ تجيير ذلك النمو كله إلى فئة قليلة متعولمة . إن ما يقوله جريدر هو تمام ما تنبأنا به وفي الحقيقة، فإن عدداً من هذه البيوتات المالية قد دمرت ذاتياً بعد انقضاء سنواتٍ قليلة على وضع كتابنا ذلك، كأمثال بيرشتيرن ,Bear Stern وليمان برذرز Lehman Brothers، بينما حاق الإفلاس بآخرين, حتى إن البنوك الكبرى مثل سيتي جروب، وجولدمان ساكس، جاوزت موجوداتها غير العاملة، رأسمالهم أضعافاً، إلا أنه تم إنقاذهم بأموال دافعي الضرائب، وبالسماح لهم بإخراج أصولهم السامة من ميزانيتهم، وليس من قبيل الصدف أن ساعد في الموضوع كون وزير الخزانه هو السيد/هنري بولسون، المدير التنفيذي السابق لجولدمان ساكس، والذي تصدق بعشرات البلايين من الدولارات، من أموال دافعي الضرائب إلى رب عمله السابق . "واذا ما استعملنا ما يسميه علماء الرياضيات استقراءاً واستخلاصاً للنتائج، فإن المستقبل عندئذ يبدو مفزعاً بالفعل . إن الفارق الأساسي بين الاقتصاديات الكلاسيكية في القرنين التاسع عشر والقرن العشرين يتمثل في ضخامة وجسامة الأحداث التي تتبع الهزة الأساسية . ففي القرن التاسع عشر كانت البنوك تحتاج لمدة أسبوعين لتجلب الذهب أو تشحنه من اوروبا وإليها لتغطية عقود وصفقات كبيرة،إذا ما كانت الكميات المطلوبة متوفرة فعلاً . أما اليوم فالأمر مختلف تماماً، عندما أصبحت النقود ورقا في ورق، فالعرض النقدي غالباً غير محدود عبر آليات وأدوات جديدة ويمكن أن تشحن هذه الأموال بالوسائل الإليكترونية في غضون جزء من الثانية . إن نقل الأموال بسرعة البرق هذه، والكميات الهائلة التي يجري نقلها من الأموال، تخلق عوامل تفجير هائلة رأسمالية تستطيع أن تشعل آثاراً مدمرة وكأنها فتيل حرب كونية ثالثة، ولكن دون إطلاق رصاصة واحدة . وما الأزمات الاقتصادية التي عصفت بدول جنوب شرق آسيا وما نجم عنها من كوارث اجتماعية، إلا مثال بسيط على ما يمكن أن تأتي به الأيام من أخطار كامنة مخزنة في ذاكرة أجهزة الكمبيوتر، ولا يحتاج انطلاقها إلى أكثر من الضغط على بضعة أزرار في وول ستريت تكون نتائجها عابرة للقارات وعبر الحدود" . دع الحقائق تتكلم بدأت أزمة جنوب شرق آسيا نتيجة تآمر المضاربين العالميين على عملات المنطقة، بدأ بالبهت التايلندي وانتهاء بالروبية الإندونيسية . ونتيجة ذلك كانت النتائج مدمرة، لا لذنب ارتكبه الإندونسيون ولكن نتيجة مقامرة المضاربين العالميين مستعملين ذراع الولايات المتحدة الطولى لترويع الآخرين ولغرض الاستعمار الجديد والسرقة بواسطة الرموت كنترول . لم يعد من الضروري استعمار الأمم ونهب خيراتها عن طريق الاحتلال المباشر، بل أصبح أكثر خبثاً ودهاءً . فبواسطة شركاء محليين ارتضوا أن يشاركوا بارونات المال العالمي في عملية نهب شعوبهم مقابل الفتات من غنائم هؤلاء الاجانب . قاموا باغراق البلاد والعباد بالديون وجعلوا بلدانهم رهينة . ولنأخذ اندونيسيا على سبيل المثال . كان مجموع ما قتل سوهارتو من الاندونيسيين يقارب المليون من اتباع سوكارنو ممن قيل أنهم "شيوعيون" ثم استولى وأتباعه على السلطة وفتح أبواب اندونيسيا على مصراعيها للشركات عبر القطرية وكان هو وأقرانه الشركاء دوما والوسطاء وأغرقوا البلاد بالديون . وعندما قرر حفنةٌ من المضاربين العالميين المضاربة بعملات جنوب شرق آسيا بدءاً بالبهت التايلاندي انتقلت العدوى إلى أندونيسيا، فطالب صندوق النقد الدولي اندونيسيا إلى تخفيض عملتها بالاضافة إلى شروط أخرى . لم يقبل سوهارتو بهذا، فجاءه نائب وزير الخزانة الامريكي برسالة من كلينتون يقول له فيها أن عليه أن يقبل بوصفات صندوق النقد الدولي ومندوبي وزارة الخزانة الامريكية كأنها تأتي من عند الله . (As if it comes from the hand of God) . وهكذا تمّ دمار الاقتصاد الاندونيسي ودفعت اندونيسيا أضعاف أضعاف مديونيتها بعد انخفاض عملتها كما بين الجدول رقم (1): اطرح مجموع النقود المدفوعة 542$ الديون المدفوعة دون أن تحتسب (أي الأموال المسروقة) وبالكلفة الفعلية للاقتصاد الإندونيسي، فقد دفعت إندونيسيا بالروبيات ما يعادل 187،7 بليون دولار، ولكن نظراً لتخفيض العملة الذي فرض على إندونيسيا من قبل الدائنين أنفسهم، فقد سجل لحسابها 54،2 بليون دولار فقط، وكان الفرق، لو لم تكن هناك مضاربات خارجية، سيسدد كل الدين الإندونيسي : أصل الدين وخدمة الدين من فائدة وخلافه! . . وهكذا تم سرقة نحو 135 مليار دولار من الإندونسيين، فهل هناك استعمار أدهى وأقذر من هذا؟ ومن مجموع 282 شركة سليمة حسنة الأداء ومسجلة في بورصة جاكرتا، بقيت اثنتان وعشرون منها فقط على ما هي عليه بعد الهجوم على العملة الإندونيسية، وتم كل هذا من قبل المضاربين، عن طريق التحكم عن بعُد، وكان أن تم سلب أملاك 260 شركة، ونهب ثرواتهم الشرعية . تدافع هؤلاء أنفسهم الذين سببوا إفلاس الشركات الإندونسية إلى شرائها بأبخس الأسعار مما نتج عنه دفع 50 مليون إندونيسي إلى ما دون مستوى خط الفقر . هذا هو الاستعمار الجديد ذاته واسم دلعه العولمة . وما كان يزوده صندوق النقد الدولي لإندونيسيا، وهو الذي أجبر إندونيسيا على برامجه التي أدت الى هذه المصائب، لا يعادل سوى جزء مما نهبته منها الأمم والمؤسسات العالمية الدائنة، فقد سلمها صندوق النقد الدولي عام 2000 مبلغ 2،6 بليون دولار فقط من مجموع 4،6 بليون دولار تعهد بها، وذلك بسبب ما وصفه البنك الدولي "بأوجه قصور وفشل في الإصلاح والمشاريع"، بمعنى فشل إندونيسيا في الاستجابه لكامل شروط صندوق النقد الدولي، وكانت القروض مربوطة إلى "إحراز تقدمٍ ملموس في الأداء السياسي"، بما يعني الخضوع الكامل لسياسات إجماع واشنطن . وبشكل أساسي فإن إندونيسيا لم تخصخص بسرعةٍ كافيةٍ تحظى برضى صندوق النقد الدولي، وبقيت المؤسسات المالية متعددة الجنسيات تطالب باستملاك النظام المصرفي الإندونيسي، والذي كان سيصبح من بين أول جوائز الخصخصة، وقبلت الحكومة إيقاف دعمها عن الطعام والوقود، إلا أنها - أي الحكومة - أرادت أن تفعل ذلك على نحوٍ أبطأ، كما قبلت بيع موجودات حكومية معينة، ولكن ليس بأسعارٍ محروقة . وفي مارس/آذار 2002 بيعت حصة أغلبية لمصرف آسيا الوسطى للمضارب فارالون، وقاعدته في الولايات المتحدة، ودفع للحكومة 500 مليون دولار مقابل هذه الصفقة، ولكنها ستفضي بالحكومة لدفع 700 مليون دولار سنوياً، واعترف صندوق النقد الدولي بأنه ارتكب أخطاء خطيرة في أزمة إندونيسيا ،1997 إلا أن إندونيسيا تُركت وحدها لتدفع ثمن أخطاء صندوق النقد الدولي . ويعقد روبرت كوبر، المستشار السابق لدى رئيس الوزارء البريطاني، مقارنة بين اشتراطات صندوق النقد الدولي اليوم، وبين إمبريالية الأنجلو- فرنسيين في القرن التاسع عشر، عندما قرروا في 1875 تولي السيطرة المباشرة على مالية مصر لضمان سداد الديون، فكتب قائلاً: "كم يختلف هذا عما فعله اللورد كرومر وآخرون في مصر؟ . . .يبدو شبيهاً وإلى حدً لافتٍ بواحدٍ من برامج صندوق النقد الدولي المتشدد" . عن كتابي إمبراطورية الشر الجديدة الصادر سنة 2003: من الفصل الثامن: ازدهار اقتصاد الكذب: إن العالم شهد، منذ أواخر الثمانينات من القرن العشرين، الكثير من الانهيارات الواحد تلو الآخر: في أكتوبر/تشرين الأول ،1987 انهار سوق الأسهم، وتلاه الانفجار الداخلي لسوق السندات المخاطرة،وأزمة القروض والادخار . بدأ عقد التسعينيات بانهيار سوق العقار الياباني وفقاعة سوق الأسهم، بعد أن أجبرت اليابان على تغيير نهجها الاقتصادي من واشنطن . في يناير/كانون الثاني ،1995 وضعت الأزمة المكسيكية النظام المالي العالمي على شفير كارثة حقيقية في العام نفسه، انهار مصرف بارينجز بانك (Barings Bank)، وفي ربيع عام ،1995 تحمّل النظام المصرفي الياباني 2 .1تريليون دولار على هيئة مخصصات الديون المعدومة . بدءاً من صيف ،1997 عاشت دول جنوب شرق آسيا انهياراً مفاجئاً لعملاتها، بنسب تتراوح ما بين 50 - 80%، وانهارت أنظمتها المصرفية ودمّرت اقتصاداتها بالكامل . في أغسطس/آب ،1998 تفجرت قنبلة الدين الروسي . في خريف ،1998 انهارت شركة إدارة رؤوس الأموال طويلة الأجل LTCM ، وكادت أن تودي بالنظام الرأسمالي بأكمله معها . المعلومات المدققة تشير إلى عدم تحقيق نمو في الشركات غير المالية . وكشفت جداول الضريبة الجديدة لعامي 1995 إلى 1999 والتقديرات التي تمت مراجعتها لعام 2000 أن الشركات الصغيرة كانت تتكبد خسائر فادحة . وبلغ حجم خسائر الشركات الأصغر حجماً لعام 1999 رقماً مذهلاً، وصل 300 مليار دولار . إن النظام المالي الحالي يعيش انهياراً مؤسسياً، وليس ركوداً، حيث يقول لوذر كمب الاقتصادي الألماني: "لم يكن هناك أبداً انتعاش اقتصادي أمريكي خلال التسعينات، . . .بل كان هناك أكبر فقاعة مضاربات يشهدها التاريخ، قامت على "ازدهار الأوهام" والإقراض الرخيص للمستهلكين ومستثمري الأسواق المالية، فضلاً عن عمليات الاستملاك والاستيلاء على الشركات" . منذ مارس/آذار ،2000 انفجرت سوق الأسهم الامريكية بشكل هائل، وشهدنا هدر وضياع سبعة تريليونات دولار بالقيمة الورقية في الولايات المتحدة وحدها، إلى جانب تريليوني دولار في كل من أوروبا وآسيا . وخلال الفترة بين 10 مارس/آذار 2000 ونهاية الربع الأول من ،2001 تراجعت قيمة أسهم ناسداك Nasdaq السوقية من 7 .6 تريليون دولار إلى 3 .3 تريليون دولار . وهبطت أكبر ست شركات على مؤشر ناسداك من مستوياتها العليا في عام 2000 من 362 .2 تريليون دولار إلى 914 مليار دولار . تراجعت القيمة السوقية ل 5000 شركة أمريكية التي تشكل مؤشر ويلتشاير Wiltshire 5000 من 96 .16 تريليون دولار إلى 6 .11 تريليون دولار، وبخسارة قدرها 34 .5 تريليون دولار . ودخلت الولايات المتحدة ذات أضخم مديونية في العالم عام ،2001 بمديونية قياسية مجمعة تمثل الدين الحكومي، ودين قطاع الشركات، والمديونيات الخاصة تصل إلى 26 تريليون دولار . وارتفعت مديونية المستهلكين إلى ثلاثة أمثال ما كانت عليه مطلع التسعينات، وكان هذا مصحوباً بأسوأ انهيار تشهده المدخرات الأمريكية، منذ الكساد الكبير، طبقاً للرسم البياني الذي صدر عن وزارة التجارة الأمريكية . كانت الشركات الأمريكية تضيف كل عام مبلغ 5 .1 تريليون دولار من الديون الجديدة، وهو ما يعادل ثمانية أمثال ما كانت عليه الحال مطلع التسعينات . إن الدين الإجمالي في الاقتصاد الأمريكي يتزايد بسرعة 4 مرات عن تزايد إجمالي الناتج المحلي . كانت مظاهر ضعف النظام بكليته وهشاشته صارخة الوضوح . ما بين 12 و13 من يوليو/تموز لعام ،2000 وضع مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك (CFR) وهو مؤسسات نخبة النخبة . سيناريو بعنوان "الأزمة المالية التالية: إشارات تحذير، السيطرة على الضرر، والآثار" . وقد تضمنت السيناريوهات السابقة التي لم يكشف النقاب عنها للملأ، كيف يمكن لهجوم إرهابي رئيس أن يؤدي إلى انهيار بالاقتصادين الأمريكي والعالمي . كان ذلك قبل أحداث سبتمبر/أيلول 2001 . وجاءت أحداث سبتمبر . . كتب روبرت بارو (Robert J . Baro)، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، والزميل الأعلى في معهد هوفر، في مجلة بيزنس ويك بعد أسابيع قليلة من هجمات 11 سبتمبر: "إن استنتاجي الرئيسي هو أن الحرب التي تشن حالياً (ضد الإرهاب) ستكون توسعية، لذا فهي ستسهم في إنعاش الاقتصاد الأمريكي وانتشاله من حالة التباطؤ التي يعيشها" . ثم جاءت حرب الإرهاب في مقابلة تلفزيونية مع Amy Goodman صرح Edward Peck ادوارد بيك، رئيس بعثة الولايات المتحدة في العراق سابقاً، ونائب مدير لجنة مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض أيام الرئيس ريغان بالآتي: "في سنة 1985 عندما كنت نائباً لمدير لجنة مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض في عهد الرئيس ريغان، طلبوا منا . . .أن نعرف الإرهاب بحيث يتم استعماله في وزارات الإدارة كافة . وقمنا بتقديم ستة خيارات للتعريف، وفي كل مرة تم رفضها لأن القراءة المتأنية لها تبين بأن بلادنا كانت تمارس بعضها . . ." . من كتاب حروب البترول الصليبية/ الفصل الرابع عشر2005 "فإجمالي الدين الذي يعاني منه الاقتصاد الأمريكي حالياً، يتجاوز وبكثير أزمة الديون في فترة الكساد العظيم خلال الثلاثينات" . . ومنذ قرار نيكسون بإخراج الدولار من معيار الذهب ووضعه دون غطاء عام ،1971 والأوراق النقدية الأمريكية تتراكم بكميات مذهلة،وبالمقارنة، فإن حجم ما تم طبعه من ورقة النقد الأمريكية خلال الفترة من 1950 -،1970 سجل ارتفاعاً بنسبة 55%، وهي نسبة معتدلة، في حين نجد أن هذه النسبة تضاعفت إلى أكثر من 2000% من عام 1971 إلى العام 2000" . "وفي العام ،2003 قال بن بيرنانكي Ben S . Bernanke عن هذا الأمر عندما كان أحد الحكام الاتحاديين "تملك الحكومة الأمريكية تكنولوجيا تدعى المطابع، التي تسمح لها بإنتاج ما ترغب به من أوراق الدولارات ومن دون كلفة تذكر . . .ففي ظل نظام الأوراق النقدية، تستطيع الحكومة، إذا ما أرادت توليد المزيد من الإنفاق والمزيد من التضخم الإيجابي" . "ونتيجة لهذه السياسة، أصبح خارج الولايات المتحدة من الأوراق النقدية الأمريكية (الدولار) ما يزيد على 2500 مليار دولار، هي عبارة عن دين لحاملها دون فوائد للخزانة الأمريكية . وفي حالة عودة جزء مهم من هذه الأوراق إلى الولايات المتحدة، عندئذٍ ستكون الطامة الاقتصادية الأمريكية الكبرى"! "تكمن مشكلة الديون بالنسبة لرئيس الاحتياط الفيدرالي في أن جهنم الائتمان يقوم على الدين،الذي عادة ما يولد المزيد من الديون (ائتمانات للبنوك)، وذلك تجنباً لحصول انفجار مالي داخلي أو حتى انهيار فعلي للنظام المالي . وفي كل مرة يحاول الاحتياط الفيدرالي التخفيف من زيادة حجم فقاعة الديون، تظهر مشكلة احتمال انهيار الأسواق المالية، الأمر الذي يدفع الاحتياط الفيدرالي إلى فتح صنبور المال بصورة أوسع" . جاء في كتابنا المذكور والمنشور سنة 2005 ما حصل تماماً بعد سنتين: "وفي حالة حصول ارتفاع ملحوظ في معدلات الفائدة الأمريكية، فإن ملايين العائلات الأمريكية الغارقة في الديون، ستجد نفسها فجأة مجبرة على التخلي عن منازلها، بعد أن أصبحت غير قادرة على تحمل كلفة الفائدة العالية . مثل هذا الوضع سيضرب البنوك، التي ستجد نفسها أمام رهونات عقارية بمليارات الدولارات، وقد أصبحت غير ذات قيمة، وهو ما سبق وحصل في الثلاثينات" . كان هذا أيضاً ما حدث تماماً كما كتب قبل سنوات من حدوثه . البروفيسور ليستر ثرو الذي ألف كتابا بعنوان "مستقبل الرأسمالية" وهو استاذ اقتصاد وعميد سابق في جامعة MIT العريقة يقول: "إن الأنظمة المنافسة للنظام الرأسمالي من فاشية واشتراكية وشيوعية قد انهارت جميعها ولكن، بالرغم من أن المنافسين قد أصبحوا طي الكتمان في كتب التاريخ، فإن شيئاً ما يبدو وكأنه يهز أركان النظام الرأسمالي نفسه" . "قلنا في كتابنا حروب البترول الصليبية آن الأوان لنضع حداً للمماطلة في إعلان إفلاس هذا النظام، ولنحرر حكومات العالم حتى تسلك الطريق نحو إعادة إنشاء أنظمتها المالية والنقدية والاقتصادية بشكل كامل . في رسالةٍ بعث بها بتاريخ 1 كانون الثاني 1989 إلى ميخائيل غورباتشوف، كتب آية الله الخميني ليبين أن أمراض الاشتراكية والرأسمالية إنما مردّها إلى افتقارهما كلتيهما للقيم الروحيه . قال: "إنه من الممكن بالطبع وكنتيجةٍ لسياسات اقتصادية خاطئه من قبل السلطات الشيوعية السابقة، أن يبدو العالم الغربي - الجنة الوهمية - مثيراً للإعجاب . . إلا أن الحقيقة تقع في مكان آخر، وإذا كنت تأمل في هذا المفترق أن تقضي على العُقد الاقتصادية المستعصية للاشتراكية وللشيوعية، عن طريق الالتجاء إلى مركز الرأسمالية الغربية، فإنك فضلاً عن عدم معالجتك أيّاً من أمراض مجتمعك، ستقترف خطأ سيترتب على من يخلفونك محوه، ذلك أنه إذا كانت الماركسية قد وصلت إلى طريق مسدود في سياساتها الاشتراكية والاقتصادية، فإن الرأسمالية أيضاً قد أصبحت عاجزةً عن التقدم في هذه وغيرها من الأمور ولو على نحوٍ مختلف" . ولا ضير إذا كان آية الله الخميني قد استشهد بالدين كي يعظ غورباتشوف، فهو رجل دين، أما رأس العلمانية، رئيس الولايات المتحدة، فقد لجأ لاستخدام "الربّ" ترويجا "لحربه على الإرهاب" مستخدماً لذلك كلاً من الإله والشيطان، و يأجوج ومأجوج، للترويج لحربه على العراق،فقد صرّح الرئيس الفرنسي جاك شيراك ببعض مما أبلغه إياه الرئيس بوش و في محادثة لهما على الهاتف قال بوش: "إن يأجوج ومأجوج ناشطان في الشرق الأوسط، فتنبؤات الكتاب المقدّس تتحقق، وهذه المواجهة هي مشيئة الله الذي يريد استخدام هذا الصراع لاستئصال أعداء شعبه، قبل أن يبدأ عهد آخر" . ولم يستجب الرئيس الفرنسي المدهوش لطلب بوش، وبدلاً من ذلك طلب موظفوه إلى ثوماس رومر، وهو رجل لاهوت في جامعة لوزان، أن يقوم بتحليل الطلب الغريب . وكان أن قام الدكتور رومر في العام 2007 بإعادة وصف سلوك بوش في مجلة لوزان ألليه ساغوار . حتى أنت يا بروتس: كتب غورباتشوف - كما روت الواشنطون بوست - في عددها بتاريخ 7 حزيران 2009: " في الغرب، يُنظر إلى تفكك الاتحاد السوفييتي على أنه نصرٌ كامل يثبت أن الغرب ليس بحاجةٍ إلى أن يتغير . . فإجماع واشنطن، ومبدأ تحرير السوق وفكفكة القوانين، والميزانيات المتوازنة بأي ثمن، قد أُطعِمت لبقية العالم بالقوّة . . ولكن أتت الأزمة الاقتصادية عامي 2008 و2009 وأصبح واضحاً بأن النموذج الغربي ليس سوى سراب أفاد بشكل رئيس أولئك الأكثر ثراءً، وإنه لمما يثير الاهتمام أن كلاً من غورباتشوف والخميني قد استعملا الكلمة نفسها لوصف الازدهار الرأسمالي بالوهم أو السراب . ويتابع غورباتشوف: "ولكن إذا كانت جميع الحلول والاجراءات المقترحة، لم تتمخض سوى عن مجرّد إعادة تلميع للنظام القديم، فإن من المقدّر لنا أن نشهد كارثة أخرى، وربما كانت هذه المرة أضخم . . . فالنموذج الحالي ليس بحاجةٍ إلى تعديل، بل إنه بحاجةٍ إلى التبديل . . إن النموذج الآن يتصدع . . ولا بد من استبداله إن عاجلاً أم آجلاً، وسيكون ذلك عملية في غاية التعقيد والإيلام للجميع بمن في ذلك الولايات المتحدة" . من الذي زعم بأنه لا يمكن لغورباتشوف أن يكون على صواب، ولو على الأقل مرة واحدة في حياته؟ حتى غورباتشوف قال لا للرأسمالية المعلومالية بعد أن ظّن أنها هي الجنّة . انهيار الاقتصاد الرأسمالي المقامر كتب غاري ويز Gary Weiss في مجلة بزنس ويك- 25/2/2002 "فضيحة كبرى تتصدر الصحف . اجتماعات الكونغرس، واتهامات جنائية تبدو في الأفق . إنها الآن قصة شركة إنرون . لكن فضيحة جديدة تظهر، كل بضع سنوات، في عالم الشركات الأمريكية . . . وفي كل حالة من هذه الحالات، وبعد أن ينجلي الموقف لا شيء ذا أهمية يتغير، لأن صانعي القرارات والقوانين يتراجعون عن اتخاذ أي إصلاح ذي معنى . . . فذاكرة الجمهور قصيرة . . . وجمهور المستثمرين الصغار الجدد غير منظمين . . . ورجال الكونغرس حتماً سيستمعون إلى وول ستريت، وقوى الضغط . . فهؤلاء هم الذين يمطرونهم مالاً لحملاتهم الانتخابية . قال آلان جرينسبان، رئيس البنك المركزي الأمريكي لمدة 18 سنة، في شهادته بتاريخ 23 تشرين الأول 2008 أمام الكونغرس: "إننا في وسط إعصار، أو تسونامي تسهيلات ائتمانية، يحدث مرة في القرن" . ليس دقيقاً ما قاله الآن جرينسبان، فقد حدثت أعاصير كثيرة خلال ربع القرن من الانفلات، واسم دلعه فكفكة القوانين، وعايش الآن جرينسبان 18 سنة منها على رأس البنك المركزي الأمريكي . فمنذ أيام الريغانية حدثت ثلاثة أعاصير كلما جاءت واحدة لعنت أختها . الأولى كانت فقاعة 1984 ،1989 والتي نتج عنها انهيار سوق المال بشكل غير مسبوق، وانهيار بنوك التوفير والإقراض، مما اضطر الحكومة لحملة إنقاذ كلّفت دافعي الضرائب الأمريكيين مئات بلايين الدولارات . ثم جاءت فقاعة 1996-2000 والتي تلاها انهيار سوق ناسداك، وخسر 74% من قيمته أيام ذروة سعره سنة 2000 وحتى سعر هبوطه الأدنى سنة ،2002 والذي صاحبه انخفاض بنسبة 40% لسوق داو جونز في الفترة نفسها . وكانت فقاعة 2003-2007 والتي انفجرت عام 2008 وكلّفت دافعي الضرائب الأمريكان تريليونات الدولارات حتى الآن . هل هذه هي الضربة القاضية؟ نعتقد أنه إن لم تكن هي هذه المرة فستكون الأزمة القادمة هي القاضية . ونستدل على ذلك بملاحظة أن الفترة ما بين الفقاعة والأخرى في تناقص زمني، وأن كل أزمة كانت أعمق من سابقتها، وأنه قد تم تغليف الفقاعة بفقاعة أكبر وأخطر في كل مرة . منذ فجر التاريخ، ومنذ أيام المسيح، وقبل آلاف من السنين مضت وانقضت، وحتى أيام برنارد مادوف وأشباهه في وول ستريت، وسرقته 64 بليون دولار، بقي الصيرفيون العالميون لصوصاً . . . عدا أنهم أتقنوا حرفة لصوصيتهم عبر مسيرتهم، مستخدمين أحدث الحواسيب ومبرمجي علوم الصورايخ، لتعظيم سرقاتهم . وأصبحت مناوراتهم وألاعبيهم أكثر تعقيداً، إلا أن ثقافتهم بقيت ثابتة لم تتغير، ووظفوا "مأجورين" - أسموهم اقتصاديين - كُهاناً لنظامهم لتبرير تجاوزاتهم المفرطة، والذين نظرّوا لهم ولعقيدتهم، بأن "الجشع ورع"، أو أن "الجشع والربا والحرص يجب أن تكون آلهتنا . . . لأنها هي فقط تستطيع هدايتنا . .إلى ضوء النهار"، كما جادل كينز في عمله المشهور "النظرية العامة في التوظيف والفائدة والنقود" . ويمكن لأحد كبار الكهنة - مثل كينز - أن يقوم على خدمة أغراضهم يوماً، بينما يقوم كبير كهنة آخر - ربما ميلتون فريدمان - على خدمتهم في يومٍ غيره، حيث يتم تبجيله ويضخم دوره كي يروج غرضاً آخر، ولا يضر حتى لو ادعى بأن جميع سابقيه في مؤسسة الكهانة، كانوا على خطأ جملةً وتفصيلاً، وأن الخلاص إنما يتأتى من نظرياته . آلان جرينسبان الرجل الذي أدار الاقتصاد الأمريكي كرئيس للاحتياط الفيدرالي البنك المركزي الأمريكي لمدة 18 سنة- غطت الجزء الأعظم من فترة تحرير المحافظين للاقتصاد - هذا الرجل، في شهادته بتاريخ 23 تشرين الأول 2008 أمام لجنة الكونغرس حول الأزمة المالية آنذاك، قال: "إننا في وسط إعصار، أو تسونامي تسهيلات ائتمانية، يحدث مرة في القرن" . وطبقاً لسي . بي . إس . نيوز فإن آلان جرينسبان قد أنكر أن أزمة الأمة الاقتصادية هي غلطته . . إلا أنه سلم بأن عملية الانصهار، أظهرت خللاً، في فترة عمر كامل من التفكير الاقتصادي، وتركته في "حالةٍ من الصدمة وعدم التصديق" . واعترف أثناء الاستجواب، بأنه قد ارتكب "غلطة" في اعتقاده بأن البنوك - وهي تعمل لمنفعتها ومصلحتها الذاتية - ستقوم بعمل ما هو لازم لحماية مساهميها ومؤسساتها . ودعا جرينسبان ذلك عيباً ونقصاً في النموذج . . يعرّف ويبين كيف يعمل العالم . وكان العيب الذي "اكتشفه" جرينسبان في النموذج الاقتصادي الذي كان يقوده، لا أقل من الاعتراف، بأن يد آدم سميث "الخفية" - لتعديل أوضاع الأسواق - ليست موجودة . وهكذا وبالنتيجة، فإن النظرية وراء نظام جرينسبان الرأسمالي برمتها، يعتريه النقص والعيب . وتم إحضار بن برنانكي إلى عين الإعصار، ليس بمحض الصدفة، وإنما لأن أطروحته للدكتوراه بمعهد مساشوسيتس للتكنولوجيا (MIT) ، جادلت بأنه في حالات الكساد، مثل الكساد الكبير، فإنه ينبغي إنقاذ البنوك بأي ثمن . وكان هو ومصرفي سابق من وول ستريت . . (الرئيس التنفيذي لشركةجولدمان ساكس ووزير خزانة جورج بوش)، قد صدقا الرؤية والوعد، باستخدام دفاتر شيكات دافعي الضرائب لإنقاذ المصرفيين ذاتهم، وهم الذين عرَضوا غالبية دافعي الضرائب للاجتياح بالتسونامي المالية، كما دعا جرينسبان الأزمة . . وقد أقيم مبنى الاحتياط الفيدرالي في واشنطن، حيث بني على شكل يشبه المعبد، ويحيط نفسه بغموضٍ روحيٍ أحسن وصفه وليام جريدر: "يستجيب كل من الصحافة والسياسيين لغموض بنك الاحتياط، ويميلون إلى النظر إليه بتوقير وإجلال بصفته مؤسسة تكنوقراطية وسياسية حاكمة تتكون من اقتصاديين متحمسين، يقرّرون في مواضيع غامضة وغاية في التعقيد، يصعب على بقيتنا فهمها - وهذه الاستجابة والميل، يعززان من قوة البنك المركزي . ويسمح إجمالي الجهالة ببنك الاحتياط لأن يتصرّف دون أن يكون عرضة للمسئولية عن أحكامه الأحادية الجانب، أو عن أخطائه الجسيمة" . ومع أن النقود ذات أهمية حاسمة لأنشطتنا الاقتصادية، كما أنها تؤثر في حياتنا بشكل عميق، إلا أنها الأقل قابلية للفهم منّا . وهذا تناقض يتماشى جيداً - على ما يبدو - مع أولئك الذين يسيطرون على، ويفيدون منغموض النقود هذا . والمواضيع المتعلقة بالنقود عديدة وحاسمة، ومع ذلك فنادراً ما يتم هذه الأيام بحثها على الملأ، أو أن تظهر على الأجندة السياسية لأي من الحزبين، بعكس ما كان عليه الحال في القرن التاسع عشر، حيث تصدرت المسائل النقدية الأجندة السياسية . فلقد بحثوا الحاجة إلى بنكٍ مركزي، ومن الذي يملك صلاحية خلق النقود؟ . . أهي المصالح الخاصة، أم الحكومة؟ . . كما بحثوا دور إدارة الخزينة، وهل يكون خلق النقود بواسطة البنوك؟ . . أم من قبل الحكومة مباشرةً؟ . .وهل ينبغي للنقود أن تكون مغطاة بالذهب؟ أم بالفضة؟ أم بكليهما؟ . . وهل للحكومة أن تصدر نقودا دون تغطية؟ الاحتياط الفيدرالي: كارتل هجين كان أحد مواضيع النقاش الحامية لدى حزب الشعب، هو موضوع خلق النقود والعمليات المصرفية المركزية . وأصبح حزب الشعب حزباً ثالثاً ذا نفوذ تحدّى مبادئ الرأسمالية الأساسية، كما تحدى المصالح المصرفية والنقديّة . ومع أن حزب الشعب قد تم خداعه للانضمام إلى الحزب الديموقراطي، إلا أن الجمهور كان لا يزال - عند انتهاء القرن التاسع عشر - معنياً ومهتمّاً جداً بهذه المواضيع . وفي العقد الأول من مطلع القرن العشرين كان الكثير من البنوك مفلسا، وكان الناس يخسرون مدخرات عمرهم، وكانوا قلقين بسبب تركز الثروة لدى مصرفيي ومتمولي نيويورك . وأما السياسيون فكان ينتخب منهم من يعد بالوقوف في وجه أصحاب المصالح المصرفية، بمن فيهم الرئيس ويلسون، الذي قاد حملة ضد تكتل النقود، على الرغم من أنه كان قد اختير وموّل وأحيط بتكتل أصحاب المؤسسات المالية . وكانت وعوده ترمي لتأمين نجاحه في الانتخابات، وتمّ نقضها بعد ذلك . ولعل باراك أوباما هو نسخة طبق الأصل عن الرئيس ويلسون "أعطِ إشارة للشمال ولكن خذ اليمين" . وانتهت خطة المصرفيين بانتخاب ويلسون، وبعدها قرروا أن يضعوا بأنفسهم - سرّاً بالطبع - مسودة القانون اللازم لإنشاء شخصية اعتبارية للسيطرة على المؤسسات المالية، ومن ثم تمريرها كقانون في الكونجرس . وحصلوا على السناتور نيلسون أولدريتش بصفته السوط الجمهوري في مجلس الشيوخ، واختير رئيساً لهيئة النقد الوطنية،وهي هيئة خاصة أنشأها الكونجرس كي تقترح توصيات حول كيفية تنظيم تكتل المؤسسات المالية، وكان أولدريتش عضواً مشاركاً في جيه . بي . مورجان، وحمو جون روكفللر الصغير، والذي أسمى ابنه: نيلسون أولدريتش روكفللر، والذي أصبح نائباً للرئيس نيكسون . وقرر أولدريتش وستة آخرون، عقد اجتماعٍ سري في جزيرة جايكل قرب شاطئ جورجيا في أحد أيام تشرين الأول ،1910 وكانت جايكل جزيرة مملوكة لأغنياء مصرفيي نيويورك، والذين كان لهم قصورهم الخاصة مع نادٍ خاص للمجموعة، وكانت منتجعهم الشتوي بعيداً عن شتاء نيويورك المتجمد . أما الستة الآخرون المشاركون في الاجتماع السّري فكانوا: فرانك- اندرليب، رئيس ناشينال سيتي بانك أوف نيويورك - أكبر بنوك أمريكا في ذلك الوقت -ممثلا للمصالح المالية لوليم روكيفللر وشركة الاستثمار العالمي: كوهن، لويب وشركاهم . تشارلز نورتون، رئيس مصرف فيرست ناشينال بانك أوف نيويورك . بنجامين سترونج، رئيس شركة جيه . بي . مورجان بانكرز ترست كومباني، وكان هذا هو المصرفي الذي أصبح أول رئيس للاحتياط الفيدرالي، وهو النظام الذي صنع كي يسيطر على، ويحد من نفوذ المصارف . أبراهام آندرو، والذي كان مساعد وزير الخزانة . هنري دايسون، شريك رئيسي في شركة جيه . بي . مورجان بانكرز ترست كومباني . بول وربرغ، وقد ولد في ألمانيا، وهو أمريكي متجنس، وسليل أسرة وربرغ العائلة المصرفية، والتي كانت على دراية تامة بممارسات وسلوكيات البنوك المركزية في أوروبا، وكان يمثل مصالح روتشيلد المصرفية في إنجلترا وفرنسا، وشريكاً في كوهن لويب وشركاه، وشقيق ماكس وربرغ الذي يرأس مصالح واربرغ المصرفية في الأراضي المنخفضة وألمانيا . وكان واربرغ هو الاستراتيجي الأول لمشروع الاحتياط الفيدرالي . وكانت البيوتات المالية والمصارف التي يمثلها هؤلاء السبعة تمثل 40% من ثروة العالم في 1910 . وصاغ هؤلاء السبعة مشروع القانون الذي سيقدم إلى الكونغرس، والذي كان يقصد به رقابتهم والسيطرة عليهم . وابتداء أنكروا أنهم اجتمعوا، كما نفوا أن المشروع من وضعهم . وبعد سنوات قليلة أو عقود، كشفوا سرّهم في سيرهم الحياتية، أو في مقالات في الجرائد . وكتب فرانك فاندرليب مقالة في ساتردي أيفننج بوست في 9/2/،1935 كتب يقول: "لا أعتقد أن هناك أية مبالغة في أن اتحدث عن بعثتنا إلى جزيرة جايكل، على أنها المناسبة التي حصل فيها الحمل لما أصبح يعرف بعد ذلك بنظام الاحتياط الفيدرالي . وطلب إلينا ترك أسمائنا الأخيرة وراءنا، كما طلب إلينا - إضافة إلى ذلك - تفادي تناول العشاء معاً في ليلة مغادرتنا، كما تلقينا تعليمات للحضور كلاً على انفراد - وبالخفية ما أمكن - إلى محطة السكة الحديد على شاطئ الهدسون في نيوجيرسي، حيث ستكون عربات السناتور أولدريتش الخاصة على استعداد، ملحقة بنهاية قطار متجه إلى الجنوب . وما إن نصبح في العربة حتى نبدأ الالتزام بالتحريم المفروض على الأسماء الأخيرة، وخاطبنا بعضنا البعض بأسمائنا الأولى مثل بن، بول، نلسون وإيب . . . حتى إنني تبنيت وسائل تنكريةٍ أعمق، متخلّياً عن أسمائنا الأولى . . . وكان يمكن لخدام أو طاقم القطار أن يعرفوا هويات واحد او اثنين منّا، إلا أنهم لم يكونوا يعرفوننا كلنا . وكانت طباعة أسمائنا كلها معاً، هي ما كان يمكن أن تجعل من رحلتنا الغامضة، ذات أهمية في واشنطن ووول ستريت، وحتى في لندن . وببساطة عرفنا أن اكتشافنا يجب أن لا يحدث" . وعندما سئل فاندرليب عن لماذا هي السريّة؟ أجاب: "فيما لو انفضح علناً أمر مجموعتنا بالذات، وأنها قد التقت معاً وكتبت مشروع قانونٍ مصرفي، فإن مثل هذا المشروع سوف لن يعود له فرصة - مهما كانت- لإجازته من الكونجرس" . ازدهار وإفلاسٌ وحروب يجادل تكتل النقود "على أن نظام الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)- كان لازماً لتثبيت الاقتصاد وإعادة استقراره، تبعاً لدورات ازدهاره وإخفاقه"، وفي الواقع - وكما سنرى - فإن هذه لم تكن القضية أبداً . كانت الولايات المتحدة في حالة ركود لعدة سنوات من 1910 وحتى ،1914 وكانت مصالح المال العالمية تخطط لحربٍ كبيرة، وكان إيجاد البنك المركزي الأمريكي ضرورة لازمة لإدارة وضبط مصالح المصرفيين، بعيداً عن مناطق الحرب، خاصة وأن أمور بريطانيا المالية كانت متردية وفي حالةٍ يرثى لها . وكان سرّاً معلوماً ان أمريكا ستموّل الحرب، كما كان من الواضح للممولين العالميين ومؤسساتهم المصرفية أن الإمبراطورية البريطانية كانت تفقد متطلبات الإمبراطورية . وأصبحت أمريكا الحصان الإمبريالي الجديد للممولين العالميين، ولطالما أنشئت مؤسسات توأم بين بريطانيا والولايات المتحدة لتنسيق نقل أروقة السلطة من المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة، وكان البنك المركزي خطوة أولى حيث أنشئ على غرار بنك إنجلترا (بانك أوف إنجلاند)، والذي أيضا لم يكن مؤسسة حكومية وإنما مملوك للبنوك الخاصة . وشهد عقد التسعينيات ازدهاراً سرابيّاً مخادعاً أفاد منه وول ستريت والشركات متعدّدة الجنسية، بينما عانت معظم الشركات متوسطة إلى صغيرة الحجم . وانفجر هذا الوهم في عام 2000 عندما انهار سوق أسهم التكنولوجيا، وكان لا بد من حادث كحادث 11/9 تبريراً للحرب لإخراج الاقتصاد الأمريكي من أزمته . وتمّ تغطية فقاعة عام 2000 بأكبر فقاعةٍ عرفها التاريخ . وأتبع ذلك بحرب، كما يمكن للمرء أن يتوقع من النظام الرأسمالي عبر تاريخه تالياً لركودٍ اقتصادي، وفي هذه المرة دعيت تلاؤماً مع الحدث - بالحرب على الإرهاب . وأعلن أن هذه الحرب دائمة ومستمرة وبلا حدود، ولا حاجة للدليل لإعلان الحروب وغزو البلدان، حيث الحرب الاستباقية حق إلهي منحه الرب لجورج بوش وأمريكاه، وشنت الحرب في أفغانستان وتمّ غزو العراق، وبذا تمّ تغطية فقاعة التكنولوجيا بأخرى أكبر منها . ثم تبع ذلك في 2007 انفجار فقاعة القروض العقارية عالية المخاطر . وبالطبع، فمن الواضح أن الاحتياط الفيدرالي لم ينجز مهمته المزعومة في تثبيت الاقتصاد، من حيث الركود، والإفلاس والازدهار، بما في ذلك الكساد الكبير- فضلاً عن الأزمة الاقتصادية الراهنة- والتي حدثت في عهده، لا بل - وإلى حدّ كبير- بسببه، وبسبب سياساته . إلا أن الاحتياطي الفيدرالي مع ذلك، قد أبدع في رعاية وتيسير مصالح المصرفيين عبر تاريخه كلّه، بما في ذلك رصد أموال دافعي الضرائب لإنقاذ وول ستريت . وأوضح بول فولكر نفسه، وبشكل لا غموض فيه، بأن ناخبي الاحتياط الفيدرالي ومسؤليته هم وول ستريت أي شارع المال، وليس عامة الناس في شارع . وثم تعيين فولكر مؤخراً رئيس المستشارين الاقتصاديين لباراك أوباما، وكان خدم في الثمانينيات رئيساً للاحتياط الفيدرالي، وأدت سياساته الانكماشية إلى الإضرار بالمزارعين بشكلٍ خاص، وفي شباط 1985 قام وفد من مشرعي 13 ولاية زراعية بزيارةٍ إلى واشنطن كي يشرحوا لفولكر أن سياساته تلحق الأذى بالمزارعين . وطبقاً لكتاب "أسرار المعبد" ص670 كان رد فولكر للمشرعين: "إن ناخبيكم غير سعداء، أما ناخبي أنا، فليسوا كذلك"، وناخبو فولكر السعداء هم بالطبع مصرفيو وول ستريت . وفي الحقيقة فإن مستويات الفلتان الاقتصادي بعد إنشاء الاحتياطي، وصلت حدوداً غير مسبوقة مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وكان حصاد ذلك: الكساد العظيم،بعد سنوات قليلة من إنشائه . وما إن توقفت الحرب العالمية الأولى، حتى حدث ركود اقتصادي بين 1918-،1919 سببه وقف الإنتاج الحربي وتدفق الجنود العائدين، إلا أن الخلاص من الركود لم يدم سوى ستة أشهر، ليعود بعدها ركود حاد بين 1920-1921 حقق أعنف انخفاض لأسعار مبيعات الجملة بلغ 8 .36%، وكان ذلك أكبر هبوط حدث في التاريخ المسجّل . وكرّر الركود العودة في الفترة 1923- ،1924 ثم كرة أخرى في الفترة 1926-،1927 وحتى اللطمة الكبرى . . الكساد العظيم في آب 1929 . ودام هذا الكساد لأكثر من عقد واحد، وتحقق الخلاص منه فقط بدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية . وثانيةً، تسبب تدفق الجنود العائدين ووقف الإنتاج الحربي في حدوث ركود تلا وقف الحرب مباشرةً في ،1945 ودام ذلك لعشرة أشهر، ثم عاد الركود في 1948-1949 وانتهى بالحرب الأمريكية في كوريا في ،1950 والتي دامت حتى منتصف ،1953 وبعد أن وقفت الحرب تقريباً تم تسجيل حدوث ركود في تموز 1953 دام لعشرة أشهر، وقام الاقتصاد بالإنتاج للحرب في معظم عقد الستينيات من القرن الفائت، ومع ذلك حصل ركود بين 1969-،1970 وأيضاً 1973-1975 أما في ثمانينيات القرن فحدث ركودان اثنانبين 1980 و1983 . ومن المثير للاهتمام أن الولايات المتحدة دخلت ركوداً عميقاً في تموز ،1990 وفي ذلك الشهر أبلغت السفيره الأمريكية في العراق صدّام حسين - فيما كانا يبحثان نزاعات الحدود العراقية الكويتية- بأن الولايات لن تتدخل في النزاعات العربية/العربية، وهو ما فسّره صدام على أنه ضوء أخضر لغزو الكويت . وخلال أيام قليلة بعد ذلك، أي في 2 آب ،1990 غزا صدّام الكويت، وأبلغت المخابرات الأمريكية - التي كانت تشاهد 100،000 جندي يتحركون صوب الكويت - الرئيس الأمريكي بذلك، إلا أن أي إجراء لم يتخذ، فنظام عالمي جديد كان مخططاً له، هو الآن قيد التنفيذ .وتم حشد 500،000 جندي، وكانت 40 يوماً من الحرب كافيةً لإخراج الولايات المتحدة من الركود . وانتهت حرب عاصفة الصحراء في الأسبوع الأخير من شباط ،1991 وانتهى الركود في آذار 1991 . كانت الولايات المتحدة تفرض عولمتها وماركتها الخاصة للرأسمالية الإنكلوساكسونية الأمريكية على معظم أرجاء العالم خلال تسعينيات القرن العشرين، وكانت شركة طيران يونايتد الأمريكية تشحن حمولات طائرات كاملة من ورقة المائة دولار النقدية إلى روسيا، وكان هناك دزّينات البلايين من الدولارات في التداول، بعد فترة وجيزة من انهيار الاتحاد السوفياتي، ومثل هذه النقود كانت قروضاً بلا فوائد لصالح خزينة الولايات المتحدة الأمريكية، طالما أبقوها في بلدهم!، ثم تبع ذلك في 2007 انفجار فقاعة القروض العقارية عالية المخاطر، ثم انهيار وإخفاق النظام المصرفي بكامله، ودون أن تلوح لذلك نهاية وقت كتابة هذا الفصل . والآن . . .إفلاس النظام إن الانصهار والتفكك المالي للأسواق المالية وتعطّل النظام قد سميت بأسماء مختلفة، من قبل أناسٍ مختلفين حسب خلفياتهم وتوجهاتهم الإيديولوجية، فدعاها البعض ركوداً، ودعاها آخرون ركوداً عميقاً، أو كساداً خفيفاً، أو كساداً، أو تسونامي مالي، وأسماء أخرى عدة . . عدا اسمها الحقيقي: إفلاس نظام اقتصاد السوق والنظام النقدي . فقد وافق الجميع على أن الرأسمالية المالية تواجه أزمةً عميقة . . أعمق مما يرغب السياسيون ووول ستريت الاعتراف به، وتقريباً وافق الجميع على أن الأمور لن تعود لما كانت عليه أبداً، وخلص كثيرون إلى أنه لا بد من "التغيير"، والذي كان أيضاً شعار حملة أوباما، ولم يكن خيار النقّاد لتغيير "تجميلي" للمؤسسة، وإنما لتغييرٍ جذري يعالج أمراض السياسة والمجتمع الأمريكيين . وكانت الرأسمالية المالية، والتي أطلق عنانها بوحشية، بإلغاء نظام صرف بريتون وودز، وإلغاء الغطاء الذهبي للدولار مع تحفيز من حالة اللانظام (التحرر من العوائق النظامية Dergulation) ، كانت هذه الرأسمالية تعصف بها الأزمات الواحدة تلو الأخرى، وكل واحدة تأتي أكثر خطورة وصعوبة للسيطرة عليها، فقد خبر عقد السبعينيات من القرن العشرين تضخماً منفلتاً، وفي الثمانينيات منه كان هناك انهيار تشرين الأول 1987 (الاثنين الأسود)، والانفجار الداخلي لسوق الصكوك عالية المخاطر جنك junk bonds، وانهيار بنوك المدخرات والقروض، والذي ألحق بدافعي الضرائب الأمريكيين بلايين الدولارات من الخسائر لإنقاذ هذه المؤسسات . وبينما كانت الولايات المتحدة تدفع ببقية العالم لتبني ماركتها الاقتصادية بعد انهيار الشيوعية، هاجمت الرأسمالية الأمريكية الإنكلوساكسونية الاقتصادات الأخرى بوحشية، وشهدت تسعينيات القرن العشرين فقاعة "انهيار سوق العقار وسوق الأسهم"، والأزمة المكسيكية في ،1995 كما شهدت السنة نفسها انهيار مصرف بارينجز، وتحمل القطاع المصرفي ما قيمته 1،2 تريليون دولار من الانكشاف أمام ديون رديئة، كما تعرضت بلدان جنوب شرق أسيا إلى انهيار عملاتها بنسب تراوحت بين 50% و80% بسبب مناورات المضاربين في صيف عام ،1997 مما أدى لتدميرها وإلى تعطل نظامها المصرفي . وفي خريف 1998 انهار صندوق إدارة رأس المال طويلة الأجل (LTCM) ، وخلافاً لكل مواعظه حول متطلبات الحكمة التقليدية التي كان يعظ بها البلدان الأخرى، من ضرورة ترك المصارف والمؤسسات التي تفشل لمصيرها، كان الاحتياطي الفيدرالي النيويوركي، أي الواعظ نفسه، هو الذي أدار إنقاذ (LTCM) مدعيا أن سقوط (LTCM) كان يمكن أن يجر معه النظام الرأسمالي برمته . كذلك، حصل انصهار ما يسمى بالتكنولوجيا "High Tech" في عام ،2000 وألحق انفجار السوق الداخلي هذا 7 تريليونات دولار من الخسائر الدفترية بالولايات المتحدة و2 تريليون دولار بأوروبا وآسيا، وتبع ذلك إفلاسات لعدة شركات كبرى بما في ذلك شركة إنرون . وفي هذا الخصوص كتب الاقتصادي الألماني لوثركومب: "الحكومة الأمريكية، سواءٌ كانت غير قادرة أو غير راغبة للتصرف واتخاذ إجراء بشأن فشل النظام، فإنها تطلب خلاصها بدلاً من ذلك باللجوء إلى مغامرات عسكرية، بينما أظهرت خيرة شركات الواجهة "للاقتصاد الجديد"، أظهرت نفسها بأنها محتالة ودجّالة، وختم بالقول "لقد أزف الوقت لإنهاء المماطلة والتسويف حول إعلانٍ بالإفلاس العالمي، بغرض جعل حكومات العالم حُرّةً في أخذ المسار نحو إعادة البناء بالكامل، لنظام مالي نقدي اقتصادي عالمي جديد" . الرأسمالية في طريقٍ مسدود ويبدو أن معظم الخبراء بمن فيهم أولئك الذين ينتمون إلى المؤسسة، يقرون- على الأقل- بأن الأمور لن تعود لسيرتها الأولى بعد هذه الأزمة المالية، ذلك أنها جلبت إلى السطح جميع العلل ونقاط الضعف التي تواجه البلد، والتي من بينها - إضافةً للنظام نفسه - مواضيع خطيرة لا بدّ من التصدي لها مثل: المديونية الهائلة، والعجوزات التجارية، وكلفة الاتجار بالحروب، ورأس المال اللازم لإعادة التزود بالمعدات لجميع عمليات الإنتاج والبنى التحتية لفترة ما بعد الاقتصاد البترولي، مع معالجة المواضيع البيئية التي لا يمكن إهمالها لفترةٍ أطول . ومعالجة هذه المسائل بشكلٍ صحيح سيتم اعتراضه من قبل الناس انفسهم الذين سببوا هذه المشاكل، وعلى رأسهم وول ستريت، والمؤسسات المالية، والشركات متعددة الجنسية . وعبّر مايكل شيرتوف، وزير الأمن الوطني لدى إدارة بوش الثانية، عن رأيه في حديثه المعنون "لماذا لا تعمل واشنطن "، والذي ألقاه في جامعة هارفارد في 12 شباط 2008: "إن العوائق أمام التغيير في واشنطن أكثر بنيوية منها حزبية"، وطبقاً للوزير شيرتوف فإن المعيقات أمام التغيير- وإلى حدّ كبير - هي مصالح الأفراد والجماعات النافذة، والتي تجعل من الصعب إحداث تغيير دراماتيكي في واشنطن "بما يحبط متابعة المصلحة العامة" . أما جوزيف إي . ستيجليتز، الحائز على جائزة نوبل، فقد قال في مقابلةٍ بتاريخ 29/3/2009 مع مجلة نيوزويك: "ما هو واضح أن نموذج رخاء الشركات الأمريكي- رعاية الشركات وليس الناس- قد انكسر" . كما قال عن خطة غيتنر لتفريغ حمولة المصارف من الديون الرديئة في الولايات المتحدة: "إنه لأمر فظيع، أن لا يتحمل المستثمرون المسؤولية- ما زال بمقدورهم الابتعاد إذا ما ساءت الأمور، إنه ما ادعوه بالاشتراكية الأمريكية: اشتراكية الخسائر وخصخصة الأرباح" . وحائز آخر لجائزة نوبل هو بول كروجمان وهو بالتأكيد شخصية مرموقة من شخصيات مؤسسة شرقي أمريكا، فهو أستاذ الاقتصاد في جامعة برينستون، وكاتب عمود في جريدة النيويورك تايمز، وفي 6 نيسان 2009 كتبت النيوزويك: في عموده الذي يظهر مرتين في الأسبوع، وفي منتداه الحواري على الانترنت، المسمى: ضمير ليبرالي، ينتقد أتباع أوباما لمحاولتهم تشغيل نظام مالي يعتبره يمشي وهو في حكم الميت . وفي محادثة له يرسم صورة لوزير الخزانة تيم جيتنر، ورسميين كبار آخرين، على أنهم، في النتيجة، أدوات وول ستريت . ودعا كروجمان سياسة تيم جيتنر تجاه إنقاذ وول ستريت على أنها "نقود مقابل القمامة أيcash for trash " . لعل النظام الرأسمالي سيلحق الشيوعية إلى مزبلة التاريخ كما تنبأ له أصحابه أعلاه . غزو العراق وأفغانستان مسمار في نعش المشروع الأمريكي كتبت ليندا هيرد ف أراب نيوز "السعودية" بتاريخ 29/6/2010 بعد 9 سنوات من اندلاع الحرب من أقوى قوة سطرها التاريخ، ما زال أسامه بن لادن حيّاً، وما زال الملاّ عمر يدير معركته العسكرية عبر دراجته النارية، والفساد أكبر مما كان في تاريخه، ولم يتحقق أي هدف مطلق للولايات المتحدة . كما كتبت أراب- نيوز "سعودية " بتاريخ 1/7/2010 كيف يستطيع جيش غير نظامي يتكون من 000 .30- 40،000 رجل الصمود ضد القوة العالمية العظمى الوحيدة لتسع سنوات طوال، خصوصاً عندما نضيف أن مع هذه الولايات المتحدة تحالفاً من أقوى جيوش العالم الأخرى؟ أمريكا في أفغانستان في يونيو/حزيران 2010 أصبحت الحرب الأمريكية في أفغانستان هي الأطول في تاريخ حروب الولايات المتحدة، بالرغم من إنفاق مئات البلايين من الدولارات ضد خامس أفقر دولة في العالم . ولعل هذا سؤال يجب أن نوجهه إلى انتباه العالم العربي، والإسلامي بشكل معكوس: كيف أمكن لكيان لا يزيد على 6 ملايين من أن يدب الرعب في قلوب من يسمون بالنخبة لأمة زاد عدد سكانها على 300 مليون، وهم يمتلكون مفتاح كل شيء في مدنيات الغرب ألا وهو النفط . كاتب مقال Rolling Stem - بتاريخ 22/6/2010 الذي أطاح بالجنرال ماك كرستال القائد الأمريكي في أفغانستان، قد وصل إلى نتيجة مفادها: كسب الحرب في أفغانستان، "يبدو حقيقة بأنه أمر غير ممكن . كذلك اعترف الجنرال ماك كرستال للصحافي": Hastings "قتل الروس مليون أفغاني، وذلك لم ينه المشكلة . . لا يمكن حل مشكلة أفغانستان بمزيد من القتل" . فإذا كان هدف الحرب الأمريكية تحت لافتات الحرب المختلفة لتغيير مفاهيم الحضارة الإسلامية، والأمر هو كذلك، فقد أجاب عن ذلك الضابط الأمريكي المتقاعد بوضوح دوغلاس ماكغريغر "التفكير بأنه إذا أنفقنا تريليون دولار لإعادة هيكلة الحضارة الإسلامية في العالم هو مجرد هراء" . إن الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى هو ببساطة واحدة من حلقات خطة الهيمنة على "منطقة تلو منطقة"، والتي كان أول ظهورها في 1992 خلال رئاسة جورج بوش الأب . ففي هذا الوقت أصبح واضحاً أن السياسة الأمريكية، ومنذ سقوط الاتحاد السوفييتي، اتخذت من الإمبريالية العالمية هدفاً مركزياً لها، وكانت المخابرات المركزية الأمريكية واستراتيجيو صفوة متنفذي البلد من اليمين المتطرف في عام ،1992 يعرفون جيّداً بأن حقول النفط الرئيسية خارج الشرق الأوسط وربما الاتحاد السوفييتي السابق، كانت آخذة في النضوب بسرعة، لذلك أصبح إحكام السيطرة على طرق الوصول إلى النفط ذا أهمية قصوى . وقدرت الولايات المتحدة أن الآن هو الوقت لماكينتها العسكرية الضخمة كي يدور رحاها في مرحلة جديدة من العمليات . . وكان تم عرض هذه الاستراتيجية الجامحة في ما دُعي ب"مبدأ وولفوتز" - دليل التخطيط الدفاعي للبنتاجون-1992 الذي وضعه بول وولفوتز وكيل وزارة دفاع الولايات المتحدة للسياسات، وبعد تسريبها إلى صحيفة نيويورك تايمز في مارس/آذار ،1992 تم وعلى نطاق واسع، تعريفها ووصفها بالإمبريالية، وبأنها تُحبّذ الإجراءات العسكرية الاستباقية لإخماد التهديدات في مهدها، ولإعاقة حصول بلدان أخرى على وضعية قوة عظمى، ولم يكن مفاجئاً ظهور عددٍ من توصياتها في وقتٍ لاحق ضمن مبدأ بوش، وكان الجنرال نورمان شوارزكوف الذي قاد حرب الخليج 1991 لغزو العراق قد استبق وثيقة وولفوتز في 1990عندما أبلغ الكونجرس: "بأن نفط الشرق الأوسط هو بمثابة دم الحياة للغرب، فهو يزودنا بالوقود اليوم، وبما أنه يشكل 77 في المئة من احتياطات العالم الحر المؤكدة من النفط فسيبقى يزودنا عندما تنضب موارد بقية العالم" . جاء في "مبدأ وولفوتز" - دليل التخطيط الدفاعي للبنتاجون- "إن هدفنا الكلّي في الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا هو . . الحفاظ على قدرة الولايات المتحدة والغرب في الوصول إلى مناطق النفط، كما أننا نبتغي حماية حريتنا في الوصول إلى الأجواء والطرق البحرية الدولية . وكما أوضح غزو العراق للكويت يبقى مهمّاً وبشكل أساسي منع قوى هيمنةٍ أو تحالف . . من التحكم في المنطقة، وينسحب هذا بشكلٍ خاص على شبه الجزيرة العربية، ولهذا فإنه ينبغي علينا الاستمرار في لعب دور، عبر تعزيز الردع والتعاون الأمني المتقدم" . باكستان وأفغانستان نشأ محمد ضياء الحق البنجابي المسلم ككابتن في جيش المستعمرات البريطاني فيما كان يعرف باسم الهند، وذلك قبل تقسيم شبه القارة الهندية إلى هند وباكستان هذه الأيام، وكان والده موظفاً مدنياً من مريدي الإنجليز . وقد صنعت الباكستان بذريعة اسم الإسلام، على الرغم من أن مؤسسها محمد علي جناح كان علمانيّاً . ولا بدّ أنه كان ذا حظوةٍ عند السلطات البريطانية والتي أسبغت عليه لقب "سير"، وعلى كل حال فقد مات قبل أن يتمكن من ترسيخ مبادئة العلمانية، كما أن خلفاءه الضعفاء لم يتمكنوا من إرساء مبادئه . وبدأ أبو الأعلى المودودي حركة إسلامية قيل إنها متأثرة بحركة الإخوان المسلمين، وضربت هذه الحركة بجذورها في الباكستان وأصبحت تعرف باسم الجماعة الإسلامية أو عصبة المسلمين، وكان ضياء الحق متعاطفاً مع تعاليم هذه الحركة، وفي أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وبينما كانت ثورة الخميني تفتعل ثم نجحت في خلع الشاه محمد رضا بهلوي . . فقد أعلن ضياء الحق، والذي بلغ رتبة جنرال الآن وأصبح رئيساً للباكستان، أعلن الباكستان دولة إسلامية، وعلى الرغم من أنه كان متديناً فإنه لم يكن على أي نحو متطرّفاً . وفيما يلي كيف وصف ضابط مخابرات برتبة لواء من المخابرات الداخلية الباكستانية ضياء الحق: "مسلم ورع ؟! . . نعم . . إلا أنه كان سياسيّاً إلى حد لا يمكنّه من أن يحوز حماس التعصّب والتشدّد" . وأضاف: "ومن دون ضياء الحق، فلعلّه لم يكن وجود جهاد ناجح ممكناً . . ." . وهكذا، وفي أغلب الظن، فإن هذا كان سبب وجوده في سدّة الرئاسة . وفي يناير/كانون الثاني 1984 أعطى بيل كيسي الرئيس ريجان إيجازاً مضمونه أن مقاتلي المجاهدين قتلوا أو جرحوا 170،000 جندي سوفييتي، وطبقاً لتقديرات سرية لوكالة المخابرات المركزية، والتي كان كيسي يزود ريغان بأرقامه منها، فإن السوفييت قد فقدوا من 350 إلى 400 طائرة في القتال، كما دمّر المجاهدون قرابة 2750 دبابة وناقلة جنود سوفييتية مدرّعة، وحوالي 800 شاحنة وجيب وعربات أخرى، وكإجمالي وحتى ذلك التاريخ كبد جهاد المسلمين الاتحاد السوفييتي حوالي 12 بليون دولار . وأما كلفة ذلك بالنسبة للولايات المتحدة فلم تتعدّ 200 مليون دولار . أفغانستان مقبرة الإمبراطوريات ويبدو أن ذاكرة الغرب قصيرة ولا يتعلم أبداً من التاريخ، ففي القرن التاسع عشر أسمى ملك أفغاني يدعى دوست محمد نفسه أميراً للمؤمنين، وهو اللقب نفسه الذي أطلقه ملاّ عمر طالبان على نفسه، وكان ذلك عندما أراد البريطانيون الإمبرياليون احتلال أفغانستان كي تشكل منطقة عازلة بينهم في شبه القارة الهندية وبين روسيا، إلا أن الثوّار الأفغان، مسلحين بحماسة الجهاد الإسلامي، ذبحوا آلافاً من جيش الاحتلال البريطاني وأفياله وأرغموه على "تقهقرٍ مشين" . وغاصت أفغانستان في العنف والحرمان بعد أن هجرت الولايات المتحدة المجاهدين، كما تخلّت الولايات المتحدة عن سائر المساعدات لأفغانستان بعد سنتين من تسلم بيل كلينتون السلطة . وبعد تفجّر الاتحاد السوفييتي داخليّاً اختفت أجندة أفغانستان من أجندة السياسة الأمريكية، وتُركت الأطراف الأفغانية المتحاربة وبنية أفغانستان التحتية المدمّرة لأقدارها، وكان قدرها مع طالبان . . سلالة دوست محمد وبرئاسة أمير المؤمنين الملاّ عمر، ومع ظهور روسيا الجديدة فقد تشاركت مع الولايات المتحدة في قلقها واهتماماتها حيال الصحوة الإسلامية المتصاعدة في أرجاء العالم الإسلامي كله، من شمال إفريقيا وحتى إندونيسيا بما في ذلك أفغانستان . وكان الملاّ عمر وطالبان هم الذين برزوا كقوّةٍ مسيطرة بعد احتلالهم لكابول عاصمة أفغانستان . وبعد الانتصار الانتخابي الإسلامي في الجزائر، وصعود حزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين، أصبحت هذه الصحوة الإسلامية مصدر القلق الأمريكي في العالم الإسلامي، وكانت إلى ذلك أمراً مزعجاً لحلفاء أمريكا العرب والمسلمين . وحتى عندما اختار ياسر عرفات وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية المنتمية إليها لسلام مع "إسرائيل" أصبحت حماس مشكلته: "جمعت منظمة التحرير معلوماتٍ استخبارية حول جمع حماس للتبرعات، وحول مدارسها الدينية، وشبكاتها لتهريب السّلاح، وقد تجمع أفراد أحد فروع حماس ويدعون الجهاد الفلسطيني الإسلامي حول أسامة بن لادن، كان هذا ما أبلغته منظمة التحرير الفلسطينية لرئيس محطة المخابرات المركزية الأمريكية في تل أبيب، وكانت منظمة التحرير الفلسطينية تأمل في أن تنضم المخابرات المركزية الأمريكية إليهم في معركتهم ضد الإسلاميين مقوّضة بذلك حماس" . وفيما مثّله الملاّ عمر وحركة طالبان فقد حصلت أمريكا وحلفاؤها على ما لا يريدون، فقد كان، عكس ضياء الحق، مسلماً ملتزماً لا يساوم على مبادئه من أجل السياسة، كما لم يكن لديه أية مطامح شخصية ولا تهمّة المقتنيات الدنيوية، وقد أوضح أن طالبان: "هي عصبة بسيطة من الشباب الصغار الذين كرّسوا أنفسهم وبتصميم، لإقامة قانون الله في الأرض، ومستعدين لبذل الغالي والرخيص لتحقيق هذا الهدف" . وأضاف "إن طالبان ستقاتل إلى أن لا يتبقى في أفغانستان دماء يمكن أن تبذل أو أن يصبح الإسلام طريقة شعبنا في الحياة" وأبلغت السفارة الأمريكية في باكستان واشنطن أن طالبان تلقت مساعدات من عدد من المصادر بما فيها باكستان، ولكنها سارعت إلى الاستخلاص بأن الراعين لذلك سرعان ما سيدركون بأنهم "قد خلقوا نمراً لديه أكثر من الإرادة باتخاذ إجراءات مستقلة وأنه لن يكون صنيعة أحد أو أداة له" . ولكن مثل هذه الآراء لم تحدث فرقاً . . حيث إن أفغانستان وببساطة لم تكن على أجندة واشنطن كلينتون السياسية، وبقيت الحال على ما هي عليه، إلى أن فرضت مصالح النفط والغاز ضرورة الانخراط في الشأن الأفغاني مرّةً ثانية . وجاء دور النفط أونوكالUnocal ، وهي الشركة رقم 12 في ترتيب شركات الطاقة الأمريكية آنذاك، قدّرت أن مغامرةً تتعلق بنفط وغاز جمهوريات آسيا الوسطى التي كانت تابعةً للاتحاد السوفييتي السابق ربمّا عوضتها عن انتكاساتها الأخيرة في أعمالها، وقرّرت أن تركز جهودها على جمهورية تركمانستان الصغيرة التي استقلّت حديثاً، والتي لا يجاوز عدد سكانها الخمسة ملايين نسمة . . ولكن مع 159 تريليون قدم مكعّبة من الغاز الطبيعي غير المستغل، و32 بليون برميل من النفط . وهذه الاحتياطيات الضخمة تدعى "النفط والغاز الجانح"، حيث إن البلد محاط باليابسة، ولهذا ومع أنهم سيحتاجون لاستثمارات ضخمة لرسوم العبور ولإنشاء خطوط أنابيب نقل هذه الاحتياطيات، إلا أنهم بحاجة إلى بلد يسمح لهم بالعبور، ومع أن إيران يمكن أن تبدو الخيار الأكثر منطقية، فإن الاعتبارات الجيوبوليتكية أدت إلى استبعاد هذ الخيار، كذلك تمّ استبعاد روسيا للسبب نفسه، وأفضى ذلك إلى أن تصبح أفغانستان الخيار المفضل التالي . وأرادت مجموعة أخرى من شركات نفط غربية، أمريكية وبريطانية في معظمها، أن تبني خط أنابيب من باكو متفادياً روسيا وعابراً لجورجيا وتركيا، ورحبت تركيا بالفكرة، وأما جمهورية جورجيا الحديثة الاستقلال فيمكن إقناعها عبر ثورة ملونة، إذ أصبحت ثورات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الملونة تقليداً لتغيير نظم الحكم، حيث يكون ذلك ممكناً، وفي مجال أعمال النفط فإن شيئاً ما لا يتأتى بسهولة، غير أن العوائد والجوائز تستأهل العناء . واختارت أونوكال مارتي ميلر، والذي كان يدنو من نهاية خدمته، وكان يتطلع إلى شيءٍ فيه تحدّ محرز يقوم به . وكان على ميللر الآن أن يحاول إقناع طالبان في أفغانستان . وفي وقت متأخر من ربيع ،1996 توجه إلى قندهار لمقابلة طالبان وأطلعهم على صور وحاول التأثير فيهم بأرقام الوظائف والدولارات التي ستجلبها مشاريع خطوط الأنابيب لأفغانستان، وكان قد أمن ترجمةً إلى لغة الباشتو للوحات التوضيحية التي استخدمها، ولكونهم غير مسلمين فقد تم إبلاغ جماعة أونوكال أن ليس بمقدورهم مقابلة الملاّ عمر رئيس طالبان، إلا أنهم قابلوا آخرين من قادة طالبان في غرفةٍ خالية من الأثاث إلا من بعض البُسُط على الأرض . وكان ميللر أحضر معه مسودة اتفاقية مبدئية، إلا أنه اكتشف أن طالبان لم يكونوا في نهاية المطاف على تلك الدرجة من البدائية، فقد أرادوا التعامل ولكن بموجب شروطهم الخاصة . فما كان من ميللر إلا أن حزم أمتعته وغادر قاصداً حاكم طالبان في بلدة هيرات، وقد اعتقد الحاكم أن ميللر كان طيباً للغاية ولذلك سأله: "لماذا لا تعتنق الإسلام"؟ وبالتأكيد لم يكن ذلك ما حضر ميللر من أجل أن يفعله في أفغانستان، وما إن عاد ميللر إلى الولايات المتحدة حتى زاره أحد ضباط العمليات من رجال وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في مكاتب أونوكال في شوجر لاند تكساس، وكان مثل هذا الأمر روتينياً فإما أن يقوم ميللر بزيارة وكالة المخابرات المركزية في لانجلي، أو أن ترسل لانغلي ضابط عمليات لتبادل المعلومات مع ميللر بعد عودته من رحلات خارجية، وكانت هذه اللقاءات في الغالب تكرّس لتقارير ميللر عن رحلاته، وفي أحيان أخرى قليلة، فلربما تعطي الوكالة تلميحةً أو معلومة ذات قيمة لميللر، ولقد كانت تلك علاقة متداخلة بين حكومة الولايات المتحدة وإحدى شركات الولايات المتحدة في سبيل تمكين الحكومة من أن تكون بتصرّف الشركات . نشرت جريدة نيويزرك تايمز في 13/6/2010 خبراً بعنوان: "الولايات المتحدة تجد معادن بكميات هائلة في أفغانستان" جاء فيه " إن الولايات المتحدة اكتشفت قرابة تريليون دولار 000 .000 .000 .1000 $ من مناجم المعادن التي لم يتم استغلالها . . هذه المناجم تتكون من كميات هائلة من الحديد، والنحاس والكوبالت، والذهب، ومعادن مهمة جداً للصناعة مثل الليثيوم، مما سيجعل أفغانستان أحد أهم مراكز إنتاج المعادن في العالم . وفي مذكرة داخلية للبنتاغون، فإن افغانستان ستكون كما السعودية للنفط، والليثيومهو مادة أساسية لتصنيع البطاريات لأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة . . وفي الوقت ذاته يخشى المسؤولون الأمريكيون من أن تصبح الصين هي المستثمر لهذه المعادن كونها متعطشة للمزيد من الثروات المعدنية" . أمريكا في العراق إن المبادرة لاحتلال أرض الآخرين والأدوار المسندة ذاتياً للتدخل في شؤون البلدان الأخرى، قديمة قدم التاريخ الأمريكي نفسه، ففي 1823 شرّع الرئيس مونرو ما أصبح يعرف لاحقاً بمبدأ مونرو، وضمن نقاطٍ أخرى أوضح هذا المبدأ أنه ليس لأي دولة أوروبية أن تقيم منطقة نفوذ - على الإطلاق - في اي بلد في الأمريكيتين باعتبارها منطقة نفوذ للولايات المتحدة، كما أنه أطلق عقيدة أن الولايات المتحدة ستعتبر أي محاولة كهذه للاستعمار تهديداً لأمنها القومي، وفي وقت لاحق سيضيف الرئيس ثيودور روزفلت عبارته المشهورة والتي يمكن إيجازها كما يلي: "تحدّث بنعومة واحمل عصا غليظة" . وفي 1962 أطلع دين راسك وزير خارجية كيندي إحدى لجان مجلس الشيوخ على 103 تدخلات عسكرية أمريكية في شؤون البلدان الأخرى بين 1798 و 1894 فقط، وكان درس رسك في التاريخ - في جوهره - دفاعاً عن هجوم الإدارة على كوبا، وهو غزو خليج الخنازير الفاشل في 1961 . وفي 1963 أوضح دين أتشيسون وزير خارجية ترومان السابق والمستشار في وقتٍ لاحق لكل من إدارات كنيدي وجونسون ونيكسون، أوضح وبفظاظة أن بقاء الدول هو مسألة ليس للقانون من شأن بها . تشابهات غريبة عندما قرر بوش تغيير الحقائق من أجل شن حرب احتلال مدّعياً بوجود صلةٍ بين صدام و 11/،9 كما تضرّع للربّ لتأييدها ودعمها، فعندها كان التاريخ يعيد نفسه . كان السبب الرسمي لتعليل بدء الولايات المتحدة الحرب الإسبانية الأمريكية سنة ،1898 هو الادعاء بأن إسبانيا دمرّت المدمرّة الأمريكية يو .إس .إس . مين Maine في هافانا، وتم التحقيق في الادعاء، ولكن فقط بعد احتلال كوبا ومناطق اسبانية أخرى، اتضح أن الانفجار على المدمرة مين Maine كان على الأرجح "حادثا فنّيا" ولم يكن مدبراً من إسبانيا، أما المفجر الحقيقي لهذه الحرب فإنما كان رغبة أمريكا في التوسع إلى أسواق الشرق الأقصى خاصةً الصين، وهنا تدخل الفلبين إلى المشهد: فمن أجل تأمين معبرٍ إلى "الشرق" فقد كانت الولايات المتحدة مصممة على احتلال هذا البلد ذي الجزر ذات الموقع الاستراتيجي . إلا أن أكثر الأمور مدعاةً للاستغراب كان الكيفيّة التي برر فيها الرئيس ماكينلي الغزو، ولقد استخدم كل من ماكينلي وبوش الربّ من أجل الذهب، فماكينلي أبلغ مجموعةً من زوار البيت الأبيض كيفية تلقيه رسالة إلهية لاحتلال وضم أراضي شعوب أخرى: "الحقيقة هي أنني لم أكن أريد الفلبين، ولكن عندما جاءتنا كهدية من الرب لم أدر ما الذي أصنعه بها . . لذا طلبت النصح والمشورة من جميع الجهات - من الديمقراطيين ومن الجمهوريين - على حد سواء ولكن لم أوفق سوى في الحصول على القليل من المساعدة، وفكرت في البداية أن نكتفي بأخذ مانيلا فقط، ثم لوزون، ثم . . ربما جزر أخرى أيضاً، وبقيت أذرع أرضية البيت الأبيض جيئةً وذهاباً، ليلة بعد ليلة، وحتى منتصف الليل، ولست خجلاً من إبلاغكم، أيها السادة، بأنني جثوت على ركبتي وصليت للرب الكلي القدرة طلباً للنور والهداية ولأكثر من ليلةٍ واحدة، وفجأة وفي وقتٍ متأخرٍ من احدى الليالي أتتني على هذا النحو . . ولا أدري كيف كانت إلا أنها أتت . . لم يعد هناك من شيء علينا فعله سوى الاستيلاء عليها جميعاً، ومن ثمّ تعليم الفلبينيين والارتقاء بهم وتحضيرهم وتنصيرهم . . . وبعد ذلك أويت إلى الفراش لأنام، ورحت في نومٍ عميقٍ مريح" . أما توكل بوش على الهداية الخاصة فقد كان أكثر بياناً، فقبل أسبوع من غزو الولايات المتحدة للعراق في 10 مارس/آذار ،2003 كتب هوارد فينمان في النيوزويك كجزء من تقرير خاص حول، بوش والرب . "يستيقظ جورج بوش قبل الفجر في معظم الأيّام . . وانسحب إلى مكانٍ هادئ لكي يقرأ على انفراد، ومادة قراءته ليست ملخصاتٍ إخبارية عن برقيات المخابرات . . وليست قراءة من النوع المسلي . . . وإنما بدلاً عن ذلك، كما أخبر أصدقاءه، يقرأ كتاباً إيفانجيليكيا يحتوي على عظات قصيرة My Utmost For His Highest، والمؤلف هو أوزوالد تشامبرز، وتحت هذه الظروف فإن الأصداء التاريخية عالية، فتشامبرز كان واعظاً بابتيّاً جواًلا من أسكتلندا، مات في شهر تشرين الثاني عام 1917 بينما كان يحضر الإنجيل للجنود الأستراليين والنيوزيلنيديين المتحشدين في مصر "في جيش الجنرال اللنبي"، ومع حلول الكريسماس كانوا قد ساعدوا في اغتصاب فلسطين من الأتراك "المسلمين "، والآن يدور كلام حول حرب جديدة في الشرق الأدنى، ولكن في هذه المرة في أرضٍ تدعى بابل، وفي وقت لاحقٍ من ذلك اليوم . . أبلغ بوش مذيعين متدينين . . أن الولايات المتحدة مدعوة لمنح كل إنسان في العالم هدية الرب ألا وهي الحرية" . نقمة النفط لم يعرف عن جورج دبليو بوش، على الإطلاق، لا حدة الذهن ولا المعرفة بالشؤون الخارجية، وفي الحقيقة، عندما سئل من قبل مجلة جلامور في مايو/أيار 2000 عما إذا كان يعرف من تكون طالبان، أجاب بأنها فرقة لرقصة روك أندرول . وكواحدٍ من رجال النفط وابن رجل نفط، وعنده ديك تشيني نائباً للرئيس . . وهو رجل نفط، وكوندوليزا رايس عضو مجلس إدارة واحدة من عماليق شركات النفط الأمريكية، ومستشارته لشؤون الأمن القومي، لذلك فقد كانت إدارة جورج دبليو . بوش، إدارة من الدرجة الأولى لأمريكا الشركات البترولية، ولجهدها الإمبريالي في السيطرة الكاملة على نفط العالم، ولم يكن هذا مرغوباً فيه لتعزيز أرباح الشركات فقط، وإنما كان إلزامياً ولا بدّ منه لأمريكا كي تتمكن من إنفاذ دورها الناشئ عن تعيينها لذاتها منفذاً للعولمة، ولتأمين الاحتياجات النفطية للامبراطورية الأمريكية وحلفائها، في وقت وصلت فيه مواردهم البترولية قمة إنتاجها، وأصبحت في مراحل نضوبها الأخيرة . وقد تحدث الأمريكيون قليلاً عن وصول نفطهم حد إنتاجيته الأعلى، ولكنهم يعرفون الكثير . . فالولايات المتحدة قد استنزف نفطها، بينما يمتلك العالم الإسلامي في الشرق الأوسط وأواسط آسيا معظم ما تبقى من نفط، وفي الحقيقة فإن معظم احتياطيات النفط في العالم كانت آخذة في الانحدار إنتاجياً صوب نهايتها، فيما عدا الشرق الأوسط ودول أواسط آسيا الإسلامية . وكانت المعضلة واضحة، فحضارة أمريكا والغرب القائمة على النفط . . إنما تعتمد على نفطٍ لا تملكه، ويقع في بلادٍ إسلامية ترفض بعناد الانضواء تحت مظلة الغرب الذي تقوده الإمبراطورية الأمريكية . أما أجندة بوش فتتلخص في سطرٍ واحد، ففي أيار2001 وبعد شهرين من استلامه السلطة قال: "ما يحتاج الناس إلى سماعه وبصوتٍ عالٍ وواضح، هو أن الطاقة في أمريكا تنضب" . العوامل الأساسية لغزو العراق ونختم بأن العراق تم غزوه وأطيح بصدّام حسين ومن ثمّ تم شنقه في الواقع لعدّة أسباب: * النفط كما تم إيضاحه أعلاه هو العامل الرئيسي، إلا أن عوامل أخرى كانت موجودة . . * حافظ العراق على اقتصادٍ تديره الدولة خلافاً لنصح ورغبة الولايات المتحدة نصيرة التجارة الحرة، والتي كانت ترغب في انفتاح العراق للشركات الأمريكية متعددة الجنسيات، ويتوفر لدى العراق 80 حقلاً نفطيّاً مؤكداً 20 منها فقط تم تطويرها، وتنتج، مع احتياطي يقدر ب115 مليار برميل . وبهذه الحقول ال20 فقط، يملك العراق ثاني أكبر احتياطيات نفطية في العالم، وعلينا أن نتصور الحال عندما تكون جميع هذه الحقولال 80 تحت سيطرة وفي أيدى شركات النفط الأمريكية . * أصبح صدّام قوة عسكرية إقليمية تخطت الحدود المقبولة خاصّة في منطقة حساسة، حيث يمكن خلال دقائق من الطيران النفاث الوصول إلى حوالي 70% من احتياطيات العالم النفطية . بعد أن غزت أمريكا العراق وأعادت تسمية غزوها إلى "عملية الحرية"، ألقت الكاتبة الهندية روي آرونهاتي خطاباً في نيويورك في 13 مايو/أيار 2003 بعنوان "الديمقراطية الامبريالية سريعة الذوبان: اشتر واحدة واحصل على أخرى مجاناً" وفيما يلي مقتطفات من الخطاب: "قبل أن تبدأ الحرب على العراق، أرسل مكتب إعادة الإعمار والمساعدة الإنسانية إلى البنتاجون قائمة ب16 موقعاً حيويّاً لحمايتها، وكان المتحف الوطني ثانياً على تلك القائمة، ومع ذلك فإن المتحف لم ينهب فقط وإنما دنس وانتهكت قدسيته . . وآخر مبنىً في قائمة مكتب إعادة الإعمار والمساعدة الإنسانية من بين ال 16 موقعا واجبة الحماية كان وزارة النفط، وكانت هي الوحيدة التي منحت الحماية، ربما لأن جيش الاحتلال اعتقد أنه في البلاد الإسلامية تقرأ القوائم بالمقلوب تحالف بين وول ستريت والبنتاغون لإخضاع المسلمين لنظام العولمة طبقاً لاثنين على الأقل من استراتيجيي الولايات المتحدة العسكريين النافذين؛ فإن احتلال العراق: "لم يكن من أجل تسوية حسابات قديمة أو من أجل فرض نزع سلاح قررته الأمم المتحدة، بل بدلاً من ذلك، كان أول تطبيق لاستراتيجية إدارة بوش في الحرب الاستباقية الإجهاضية، وكان نقطة فاصلة في التاريخ، وهي اللحظة التي قررت فيها واشنطن الامتلاك الحقيقي لاستراتيجية الأمن في عصر العولمة" . هكذا كتب ثوماس بي إم بارنت باحث أول سابق في الاستراتيجية، وأستاذ كلية الحرب البحرية للولايات المتحدة، وهنري إتش جافني- قاد فريق بمركز الدراسات الاستراتيجية في هيئة البحوث المستقلة مؤسسة ءخ ، وذلك في مقالة بمجلة المسؤول العسكري في مايو/أيار ،2003 وكان عنوان المقالة "استراتيجية التصرف عالمياً" . ويوصيان بأن على الولايات المتحدة "أن تتوقع الإسهام بحصة الاسد من الجهد الأمني لتطبيق العولمة لأننا سنكون من سيتمتع بفوائدها بصورة تفوق ما قدمنا" . بعد مرور عشر سنوات على تأليفي كتابي عن العولمة، أصوغ الآن تعريفي الخاص لها: "العولمة هي العملية التي تحوّل الإمبراطورية الأمريكية بوساطتها، الدول القومية إلى جمهوريات موز في خدمة الإمبراطورية، مستخدمة بذلك، وحيث يمكن - مؤسسات عالمية (صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، البنك الدولي والأمم المتحدة)، والقوة العسكرية عندما تقرر الإمبراطورية وحدها لزوم ذلك" . وهكذا، وحيث إن الولايات المتحدة تجد أن العولمة الاقتصادية تعمل لمصلحتها، وحيث إنها، أي الولايات المتحدة، مسؤولة عن نصف الإنفاق العالمي على التسلح، والقواعد العسكرية، والوجود البحري، والحروب، فإن المؤلفين ينوهان بأن الاستراتيجية الأمريكية للقرن الحادي والعشرين يجب أن تكون "استيراد الاستهلاك وتصدير الأمن" أي، تصدير الحروب . ويقسم بارنت وجافني العالم إلى بلدانٍ ترغب في الاصطفاف إلى جانب قوانين العولمة كما وضعتها البنتاغون ووول ستريت "النواة العاملة"، وأولئك الذين لا يقبلون قوانين العولمة، بسبب من التصلب السياسي أو الثقافي وهم "الفجوة غير القابلة للاندماج"، ويقع العالم المسلم في الصنف الأخير، بينما يسمون الصين والهند وجنوب شرق آسيا "النواة الجديدة"، حيث إن هذه البلدان لديها قابلية التواصل والارتباط مع العولمة، بينما تشكل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان "النواة القديمة" . ويجادل المؤلفان بأن على الولايات المتحدة - بصفتها إداري العولمة - أن تؤمّن تحقق "التدفقات" الأربعة التالية بشكلٍ متزامن، حيث إن تعطل أي واحدةٍ منها سيلحق ضرراً بالأخريات، ويؤدي إلى تعطيل العولمة . التدفق الأمني وطبقاً لجافني وبارنيت، فإن المناطق الرئيسة لتدخلات الولايات المتحدة العسكرية، في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، ستكون أواسط وجنوب غرب آسيا، ولكل النوايا والمقاصد فإن هذه المناطق هي العالم الإسلامي . إنهم يكتبون أن على الولايات المتحدة أن "تصدر الأمن" إلى هذه البلدان، وبذلك إنما يعنون، قواعد عسكرية، زيادة الوجود البحري، أنشطة الرد على الأزمات، والتدريب العسكري . وفي معادلة العولمة حسب الولايات المتحدة، والتي عرفت بأنها "تصدير الأمن واستيراد الاستهلاك"، فإن السلعة التي ينبغي استيرادها هي النفط، أما تلك الواجبة التصدير فهي الحرب، وبالإضافة إلى ذلك، يقول المؤلفان، وحيث إن النزاع بين البلدان الإسلامية والولايات هو طويل الأمد "فإن من الأجدر بالولايات المتحدة أن تقيم قواعد عسكرية دائمة في العراق" . وكما يقول المؤلفان، فإن بعض قواعد الولايات المتحدة العسكرية في اليابان وألمانيا قد أقيمت قبل 60 عاماً مضت، وما زالت هناك . كتب المؤلفان: "إلى متى ستبقى قوات الولايات المتحدة في العراق وفي بلدان أخرى من بلاد الفجوة؟ إن الجواب الضمني هو، إلى الأبد . وهنا أصل إلى نقطتي النهائية حول هذه الإدارة، وحول كل من يتبعها، للتحدث بصراحة مع الجمهور الأمريكي، لن نغادر الفجوة أبداً، ولن نعيد أبناءنا إلى الوطن" . إن ما تسميه الولايات المتحدة انسحاباً لسنة 2010 هو انسحاب على الطريقة اليابانية والألمانية، حيث تبقى القواعد العسكرية الضخمة تستعملها كما تشاء وحيث "حلفاء" محليون يتولون تنفيذ سياساتها عوضاً عن العسكر الأمريكان . إن الكثير من المحافظين الجدد الأمريكان، سعداء بسياسة آرييل شارون المقترحة حول جدار فاصل بين "إسرائيل" وفلسطين من طراز "جدار برلين"، رغماً عن إعلان عدم قانونية الجدار من قبل محكمة العدل الدولية والأمم المتحدة، والكثيرون من مجموعة النخبة هذه يبدون غير مكترثين بعمليات القتل "الإسرائيلية" من دون محاكمة (الاغتيالات المستهدفة)، ويشعرون بأن العالم والولايات المتحدة، كما يبين بارنت وجافني، "عليهما الانتظار محتملين جيلين أو أكثر قليلاً من الغضب الفلسطيني، قبل أن يتم في النهاية شراؤهم بمساعدات اقتصادية "محرزة" من "النواة"، ويخفض الفلسطينيون حجم أسرهم، فيما يحققون شيئاً من قابلية النماء الاقتصادي . "وحيث إن الشيوعية قد ماتت كقوة حقيقية، فيستبعد المؤلفان "حروب قوى عظمى"، ولكنهما يريان ضرورياً في المستقبل المنظور تصدير "الأمن والحروب" إلى المناطق الإسلامية في جنوب غرب آسيا ووسطها، بوصفها أكثر مهام الأمن العالمي (الأمريكية) جدية، ونحن نشهد البداية لمحاولة توحيد طويلة الأمد هناك . محاولة ستنافس في النهاية مجهود "الحرب البارده" في أوروبا، من حيث "مركزيتها الاستراتيجية" . ولتحقيق هذا العنصر من مستلزمات العولمة فإن الولايات المتحدة اليوم تقيم 900 قاعدة عسكرية حول العالم . كما أن لها تحالفات وحروباً مع 75 دولة حول العالم أيضاً، خصوصاً في البلدان النفطية والمسلمة في أكثرها أو في بلدان خطوط إمدادات النفط . وقد جاء في نبأ للاسوشيتد برس أن البنتاغون تصرف مبلغ 7 .4 مليار دولار لتسويق حملاتها وبرامجها العسكرية داخل الولايات المتحدة، في عملية غسل دماغ مبرمجة موجهة إلى أغلبية الأمريكيين المشغولين بلقمة عيشهم . تدفق النفط بما أن مجال الأعمال الأمريكي الرئيس سيكون تصدير الأمن بدلاً من المنتجات الاستهلاكية، فإن الطلب الأمريكي على النفط سيزداد ببطء في العقود القادمة، بينما الصين والهند، واللتان تصنعان الآن "الاستهلاك" الذي تستورده الولايات المتحدة، فسيضاعفان استهلاكهما من النفط؛ وبموجب دورها كإداري العولمة، وقوة العالم الشرطية، فإن على الولايات المتحدة أن تحكم تدفق النفط الشرق أوسطي إلى أصدقائها وأعدائها، وعندما نوقشت مخاطر - تحويل اليابان لبلد صناعي - بعد الحرب العالمية الثانية، جادل جورج كينان، مهندس سياسات الاحتواء للحرب الباردة، بأنه يمكن لليابان أن تصنع نفسها كما تشاء، طالما بقيت صمامات إغلاق النفط عن صناعاتها في أيدٍ أمريكية، وبالمثل، فإن الصين والهند - أسرع اقتصادين ناميين في العالم - يمكنهما التصنيع حسبما ترغبان، طالما تحكم أمريكا تدفق النفط إليهما، وطالما أن الأمريكان يحرسون منافذ وصولهم إلى الصمامات، عبر العديد من القواعد العسكرية والمراكز البحرية الموجودة الآن في البلدان الإسلامية المنتجة للنفط . وتصدر الصين الآن الكثير من المنتجات إلى الولايات المتحدة، حيث يدفع لها بالدولار . وستتكدس المليارات من الفوائض التجارية السنوية، وطالما أن هذه المليارات تعود إلى الولايات المتحدة بشكلٍ أو آخر (مثل سندات خزينة الولايات المتحدة)، "لا يوجد الكثير مما يوجب علينا التذمر في هذه الصفقة، والتي هي كناية عن مبادلة قطع ورقية ببضائع حقيقية" . ومع نمو الاستعمال للمنتجات النفطية والبترولية في الصين والهند، فإن مركز الطلب عليها سينتقل خلال السنوات العشرين القادمة من أمريكا الشمالية إلى آسيا، وطبقاً لإدارة الطاقة في الولايات المتحدة، فإنه بحلول العام ،2020 ستشتري آسيا ثلثي نفط الشرق الأوسط من الخليج، وسيكون ذلك معادلاً ل80% من واردات آسيا من النفط . وأي تعطيل لتدفق النفط من الشرق الأوسط سيلحق الضرر بعمليات ومناهج العولمة السياسية والاقتصادية، والولايات المتحدة بوصفها إداري العولمة، الذي نصب نفسه ذاتياً سيذهب إلى أبعد مدى لضمان استمرارية استغلاله لموارد العالم البشرية والمادية لمصلحته، وبشكل غير عادل ولا يتناسب مع ما يقدم . ولن يتوقف عند احتلاله للعراق، وكما رأينا، فإن الحرب في أفغانستان قد شنت لتأمين نفط بحر قزوين، ومسارات خطوط أنابيب النفط عبر أفغانستان ومختلف جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، إلى موانئ على المتوسط وبعد 11 أيلول تم إنشاء عدد من القواعد العسكرية في هذه البلدان . تدفق الاستثمارات ولأجل أن تكون العولمة فاعلة، فلا بد لتدفق الاستثمارات المباشرة - من متمولي الولايات المتحدة وأوروبا - من أن يكون مضموناً . إذ تحتاج اقتصادات "النواة الآسيوية الجديدة" المتضخمة، إلى قرابة 2 تريليون دولار بحلول عام ،2020 ولذلك فإنها ستعتمد في تنميتها الاقتصادية على التمويل الذي يقدمه بارونات مال أمريكا وأوروبا، كما ستعتمد على النفط المسيطر عليه من الولايات المتحدة، وهذان العاملان يعطيانها ثقلاً وأرجحية كافية، لضمان إعادة تدوير فوائض الدولارات التي اكتسبتها اقتصادات أقطار "النواة الجديدة"، إلى الولايات المتحدة لتمويل ديونها وعجوزاتها السيادية . تدفق العمال يحتاج تدفق العمال من "الفجوة" إلى "النواة القديمة" (اقتصادات الولايات المتحدة، وأوروبا، واليابان) إلى أن يصبح سيلاً، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة الحالية إلى أنه في حدود عام ،2050 ستنخفض نسبة العاملين إلى المتقاعدين بشكل ملموس في بلاد "النواة"، مالم يتم استيراد الشبيبة من بلدان "الفجوة"، إذ ستحتاج اليابان إلى أكثر من نصف مليون مهاجر في السنة، للمحافظة على قوتها العاملة الحالية، كما ستحتاج أوروبا إلى زيادة تدفق الهجرة الحالية 500 في المئة . وبينما ستتراجع نسبة العاملين إلى المتقاعدين في الاقتصادات المتقدمة من نسبة 1:5 إلى نسبة 1:،2 فإن هذه النسبة ستكون 1:10 في البلدان الاسلامية . ومن دون تدفق من بلدان "الفجوة إلى بلدان "النواة"، فإن الاكتظاظ السكاني في بلدان "الفجوة" المتدنية الأداء (اقتصادياً)، سيقود إلى أوضاع متفجرة، في حين سيؤدي النقص السكاني في بلدان "النواة" إلى نقص في العمالة، يقود إلى تراجع اقتصادي . ولكن تدفق العمالة يجب أن ينظم كما يقول بارنت وجافني، ويقترحان عدم منح العمالة المؤقتة حقوق المواطنة أو الإقامة الدائمة . ويخلص المؤلفان إلى أنه بينما كانت سياسة الولايات المتحدة أثناء الحرب الباردة هي سياسة الاحتواء، ففي عصر العولمة الأمريكي الجديد لم يعد بكاف احتواء العالم الإسلامي، ولا بدّ له من أن يتقلص . وكان تفكير كيسنجر أن ردّ فعل الولايات المتحدة على 11/،9 يجب أن يشابه الطريقة التي ردت بها على بيرل هاربر . وقال إنه يأمل لرد الولايات المتحدة "أن ينتهي بالطريقة نفسها التي انتهى بها الهجوم على بيرل هاربر بتدمير النظام المسؤول عنه"، كما نوّه الكثيرون من مشاركيه . وهكذا فإن كيسنجر كان يشجع الحرب ضد الإسلام بمصطلحات لا مواربة فيها، وهكذا تم الإعلان عن حرب الحضارات، مع كون الإسلام المستهدف الأول فيها . ويضع بارنت وجافني سيناريو مستقبلياً مقنعاً بقولهم: "إذا كانت العولمة تؤدي إما إلى التسبب في خسارة بلد ما، أو إلى رفضه الكثير من مكونات التدفقات المرتبطة بتقدمها، فإن هناك احتمالات تكاد تكون مرجحة بأن الأمر سينتهي بالولايات المتحدة- عند نقطة ما- لإرسال قواتها العسكرية" . وبعيداً عن الأهمية الاستراتيجية، الجغرافية، والجيوبوليتيكية، والجيولوجية (النفط)، فإن سبباً آخر لغزو العراق كان رفضه "الارتباط" بالعولمة، حيث إنه حافظ على اقتصاد مسيطر عليه حكومياً، والذي سرعان ما جرى اقتلاعه وتفكيكه كواحد من أول الإجراءات المتخذة بعد الاحتلال، وكان أن تمت الاستعاضة عنه، تماماً كما حصل في روسيا، بالمافيا الرأسمالية . خارطة عالمية جديدة؟ في عام 2004 نشر بارنت كتابه "خريطة جديدة: الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين"، والذي أصبح واحداً من أكثر الكتب مبيعاً . وينعكس تقسيم بارنت للعالم إلى بلدان "الفجوة" وبلدان "النواة" في كتابه هذا، وتتضمن بلدان "الفجوة" في هذه الخريطة، وكما رأينا، معظم العالم الإسلامي، بالإضافة إلى قلة من بلدان أمريكا الجنوبية، ذات الأغلبية السكانية الكاثوليكية، والتي تختلف أخلاقياتها عن الإنجيليكانية الموالية ل"إسرائيل"، والتي تسود بين نخبة السلطة الأمريكية . ويعرف بارنت كيف يمكن له أن يقسم هذين النوعين من الدول: "في عصر العولمة نرسم خطاً فاصلاً بين هذه الأجزاء من العالم والتي تنشط في دمج اقتصاداتها الوطنية في اقتصاد عالمي . وأولئك الذين يخفقون في دمج أنفسهم في مجتمع اقتصادي أكبر، وفي مجموعات الأحكام والقوانين التي تولدها"، وهذا قريب إلى حد يثير الدهشة إلى رأي لورد بالمرستون المأثور في القرن التاسع عشر: "تجارة من دون حكم حيث يمكن، وتجارة مع حكم حيث يكون ضرورياً"، ودلالة هذا أنه على البلدان الأخرى شراء (اعتناق) الرأسمالية الأمريكية وتجارتها (بما في ذلك منظمة التجارة العالمية)، وأخلاقيتها وقوانين وول ستريت بقضها وقضيضها، وبخلاف ذلك يكون ذاك البلد خارجاً عن القانون أو إرهابياً ويستأهل أن يتذوق طعم سياسة الولايات المتحدة الإجهاضية وصواريخها من طراز كروز . ولكن من الذي يضع القوانين؟ ومرةً ثانية يبدو الأمر مشابهاً لمادة نظرية المؤامرة، ولكن أمن الممكن أن تكون البنتاغون ووول ستريت؟ وإذا ما أخذنا بمعطيات كتاب بارنت، فسيتبدى لنا أن هذا فعلاً هو الوضع . سلسلة من الاجتماعات تضم أعضاء ممثلين عن البنتاغون ووول ستريت، انعقدت في عام 2001 بمكاتب الوسيط/المضارب في وول ستريت، شركة كانتور فيتزجيرالد، في الطابق 107 من مبنى مركز التجارة العالمي رقم 01 ويكتب بارنت خريطة البنتاغون الجديدة: "كان مشروع البحث الذي أجريه بمساعدة كانتور، ينطوي على استكشاف الكيفية التي تعدل بها العولمة، التعريفات الأمريكية لأمنها القومي، وفي المحصلة تعديل حسابات المرء حول إدارة المخاطر . وكانت ورش العمل التي أجريناها معاً قد جمعت أبطال الوزن الثقيل من وول ستريت، وكبار رسميي الأمن القومي، وخبراء بارزين من الأوساط الأكاديمية والخزانات الفكرية . وقد دعي تآلفنا باسم مشروع مجموعات القوانين (الأحكام) الجديدة" . دكتاتورية اقتصادية وثقافية باسم الديمقراطية سواء مع أحداث 11 أيلول أو من دونها، فإن مهندسي العولمة كانوا قد قرروا، وقبل 11 أيلول بوقت طويل، أن صداماً حضارياً مع الإسلام والمسلمين هو أمر محتوم، وأن حرباً طويلة الأمد هي أمر واقع، وأنه يترتب على المسلمين ان يغيروا ثقافتهم، والذي بالنسبة لهم، أي المسلمين، يعني تغيير دينهم لتسويغ التعامل مع العولمة، وبغير ذلك سيصبحون خوارج العولمة والنظام العالمي الجديد . وإذا كان الأمر يقتضي، لتفعيل العولمة، أن تسود مجموعة القيم والأخلاقيات الغربية، فإن هذا القرار الانفرادي لا هو بالديمقراطي ولا هو بالقرار المقبول لدى المسلمين، وإذا كان الأمر على هذا النحو، فإن نهج العولمة الأمريكية ذاته وصراعات حضاراتها مزروعة في هذا النظام العالمي الجديد، ليس بسبب أن "الآخر"، أي المسلمين، قد اختاروا مثل هكذا صراع، وإنما لكون دول النواة الغربية، والولايات المتحدة مسؤولة عن وجود هذا الخلل في النظام، وكثيرون هم الناس حول العالم، ومعظمهم من ضمن المليار ونصف المليار مسلم، الذين سيعارضون المادية عن طريق الاستعباد والإمبريالية والحروب، وكانت هذه هي القيم ذاتها المسؤولة عن شن الأمة الأمريكية الفتية، أكثر من مئتي حرب أو الإسهام فيها في فترة تاريخها القصير، بمعنى أنها عملياً كانت في حالة حرب مستمرة . وأيضاً فإن المجتمع الأمريكي ليس موضع حسد العالم، حيث يلحظ العالم أن المجتمع الأمريكي ومع تلك الوفرة كلها، إلا أن 40 مليوناً من مواطنيه مصنفون رسمياً على أنهم فقراء، ويرى العالم التباين في الثروة، ويلاحظ أن الأمريكيين هم من بين شعوب الأرض الأقل سعادةً، وكان الآخرون راغبين في ترك الغرب وأمريكا وحضارتهم وقيمهم من دون تدخل، إلا أن مبدأ بوش لم يترك مجالاً لذلك، حيث جعل الأمر غاية في الوضوح "إن لم تكن معنا فأنت ضدنا" . المشكلة إذاً، وكما ورد تأكيدها في مبدأ بوش، هي قناعة أمريكا بتفوق وعالمية قيمها، لا بل والأسوأ من ذلك، هو محاولة فرض هذه القيم من خلال الاستباق، والتفرد، وكما أوضحنا سابقاً، فإن مجموعات قوانين العولمة قد استنبطت من كتاب وول ستريت غير المقدس . إنه الغرب إذاً، الذي يعرف ان أجندته هي التي ستقود إلى صراع حضارات، وباشر حملته لتصنيع الرضى والقبول بصراع حضارات، وخاصةً مع المسلمين، وذلك في وقت أبكر بكثير من 11 أيلول . . إذ قبل سنوات عدة من 11 ايلول استهدف الإسلام كعدوّ . وفي 1995 أعلن الأمين العام لحلف الناتو NATO، أن الإسلام السياسي: "هو على الأقل في خطورة الشيوعية بالنسبة للغرب" وطبقاً لهنتنجتون، فإن أحد الأعضاء البارزين في إدارة كلينتون أشار إلى الإسلام باعتباره "المنافس العالمي للغرب . ."، خلال السنوات الخمس عشرة بين 1980-،1995 وطبقاً لإدارة دفاع الولايات المتحدة، فإن الولايات المتحدة قد اشتبكت في سبع عشرة عملية عسكرية في الشرق الأوسط جميعها كانت موجهة ضد مسلمين، ولا يوجد نموذج آخر مشابه لعمليات عسكرية للولايات المتحدة ضد أي شعب ينتمي لأي حضارة أخرى، كما كتب صاموئيل هنتنجتون . ويخلص إلى أنه بالنسبة للغرب، فإن المعضلة ليست الأصولية الإسلامية بل الإسلام، والذي هو طريقة مختلفة في الحياة يؤمن المسلمون بتفوقها . وقد خطأ هنتنجتون الرئيس كلينتون في مقولته إن لا مشكلة للغرب مع الإسلام، وإنما مع المتطرفين الإسلاميين العنيفين "فمن ناحية، كان التناقض، نتاج اختلاف، وعلى الأخص فهم المسلم للإسلام على أنه طريقة تسمو بالحياة وتوحد العقيدة والسياسة" . وبمدى تعلق الأمر بهنتنجتون، فإن الصدام بين الإسلام والغرب حتمي لا مفر منه، "طالما بقي الإسلام هو الإسلام (وهو ما سيكون)" . كما كتب هنتنجتون، "وطالما بقي الغرب هو الغرب (وهو أمر يحتمل الشك أكثر)، فإن هذا الصراع الأساسي بين حضارتين عظيمتين وطرق الحياة، سيستمر في تحديد علاقاتهما في المستقبل، وحتى كما سبق وحددها عبر القرون الأربعة عشر الماضية" . وأضاف هنتنجتون: "يخشى المسلمون ويغتاظون من القوة الغربية والتهديد الذي تشكله على مجتمعهم ومعتقداتهم، فهم يرون الثقافة الغربية مادية، فاسدة منحطة ولا أخلاقية، كما يرونها أيضاً إغوائية، وبذا تؤكد أكثر فأكثر الحاجة لمقاومة تأثيرها في تغيير طريقتهم في العيش . ويهاجم المسلمون الغرب بشكل متزايد، ليس بسبب التزامه بعقيدة يشوبها نقص، والتي هي مع ذلك "عقيدة كتابية"، وإنما بسبب عدم التزامه أية عقيدة بالمرة" . ومع أن البعث الإسلامي يعبر عن نفسه في السمات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الإسلامية، وأن تعبيره السياسي عن الذات لم يبدأ سوى منذ فترة وجيزة، إلا أنه كان التطور المنفرد الوحيد الأعظم أهمية في البلدان الإسلامية منذ سبعينيات القرن الماضي، والأسلمة السياسية، إن جاز التعبير، وكما يحلو لهنتنجتون أن يسمي البعث الإسلامي أحياناً، هو نتاج مناهج الحداثة، ويتحدر المسلمون "المولودون ثانية" من "الشباب الجوالين المتأقلمين حداثياً"، والذين تأتي صفوتهم من بين الطلبة وأصحاب الفكر، من الصحيح أن قيم الرأسمالية- في حقيقة الأمر- تختلف عن قيم المسلم الصادق، ويصبح هذا الاختلاف واضحاً إذا تسنى للمرء قراءة كتابات كارين آرمسترونج عن الموضوع، فآرمسترونج، وهي راهبة أصبحت باحثة في العقائد، كتبت أربعة كتب عن الإسلام، وبينت كيف أن الإسلام يختلف عن الديانات الأخرى من حيث أنه دين وطريقة حياة معاً، وفي كتابها "الإسلام" كتبت تقول: "في الغرب الحديث، جعلنا من الفصل بين الدين والسياسة هدفاً"، ولكن في "الإسلام، نظر المسلمون إلى الخالق من منظور تاريخي، فكتابهم المقدس، القرآن، أعطاهم مهمة تاريخية، فواجبهم الرئيس هو خلق مجتمع عادل، يعامل فيه جميع أعضاء المجتمع- حتى أضعفهم وأكثرهم قابلية للاستباحة- باحترام مطلق . وتمنحهم تجربة بناء مثل هذا المجتمع والعيش فيه ألفة وحميمية مع السامي والمقدس، بسبب أنهم إنما يعيشون طبقا لإرادة الله، فعلى المسلم تحرير التاريخ وتخليصه من الخطيئة، ويعني هذا أن شؤون الدولة لم تكن ابتعادا عن الروحانية وإنما كانت مادة الدين في ذاتها" . وأضافت "أما إذا لم ترق مؤسسات الدول إلى المستوى القرآني، وإذا كان قادتهم السياسيون قساةً أو مستغلين، أو إذا أهين مجتمعهم من قبل اعداء من الواضح أنهم غير متدينين، فإن المسلم أو المسلمة قد يشعر أو تشعر بإن إيمانه أو إيمانها، بهدف الحياة النهائي وقيمتها هو محل خطر . ولذا كانت السياسة بالنسبة لهم ما يمكن للمسيحيين أن يسموه بالسر المقدس أو القربان المقدس . . وهي الحلبة التي فيها يستشعر المسلمون الخالق، والتي تمكن السامي والمقدس من الأداء الفاعل في العالم" . وأشارت بحوث آرمسترونج إلى أن المدركات العامة في الغرب عن المسلمين والإسلام، هي، في أغلب الحالات غير صحيحة، وكثيراً ما تكون مرتكزة على تحيزات تاريخية مجحفة، فالإسلام هو المنافس، وبالنسبة للبعض، كان هو التهديد للغرب على مدى 1400 سنة، بينما لم تشكل الشيوعية تهديداً سوى لفترة 70 سنة ما لبثت بعدها أن انطفأت . ومن بعض النقاط الأخرى التي نوهت بها: بقيت للإسلام صورة سلبية في الغرب، والذي له تاريخ طويل من العداوة ضده، على الرغم من كونه الديانة الإبراهيمية الثالثة: "ولكن الكراهية القديمة تستمر وتزدهر على جانبي الأطلسي، ولدى الناس القليل من التردد في مهاجمة هذه الديانة، حتى ولو لم يكونوا يعرفون سوى القليل عنها . ولا تشن أمريكا حملاتها الصليبية كي يعتنق المسلمون المسيحية، وإنما كي تفرض عليهم "مجموعات القوانين الجديدة"، حتى يبادلوا نفطهم بالورق، وحتى يستمروا في تمويل عجز أمريكا السيادي، وإنها لإكرامية تأتي فوق ذلك بالطبع- إذا ما قرر المسلمون التوقف عن أن يكونوا مسلمين، أو على الأقل- أن يغيروا الإسلام في الأماكن التي لا توافق فيها بين كتاب وول ستريت المقدس، وبين الإسلام . وكثيرون هم المسلمون الذين أعجبوا وما زالوا يعجبون بالشعب الأمريكي، ولكنهم ليسوا بالضرورة معجبين برأسماليتهم الجامحة . وإنهم ليدركون أن الرأسمالية الأمريكية الأنجلوساكسونية لا نظير لها عندما يتعلق الأمر بخلق الثروة وتكديسها، إلا أنهم يدركون كذلك، أن لا نظير لها عندما يتعلق الأمر بسوء توزيع الثروة والظلم الاجتماعي، ولا يباريهم أحد عندما يتعلق الأمر برأسمالية السوق وتغليف الشر وتعبئته على أنه خير، والخير على أنه شر . ما يراه العرب والفلسطينيون في "إسرائيل" مجرد كيان دخيل أقيم على أجسادهم وأراضيهم المسلوبة، وبدعم مالي أمريكي إجمالي، لا يمكن مجاراته، يقدر حتى الآن ب:160 مليار دولار تحمّلها دافعو الضرائب الأمريكيون، وغطاء عسكري وسياسي لا محدود، بما في ذلك إفشال القرارات الدولية باستخدام الفيتو 42 مرة في مجلس الأمن منذ ،1972 وتوفير الحماية للاحتلال، وتبرير التجاوزات ""الإسرائيلية"" في مجال حقوق الإنسان . تعرض العرب الفلسطينيون لعملية تطهير عرقي منظمة ليعيشوا كلاجئين بالملايين حتى يومنا هذا . أما من استطاع الصمود منهم في الداخل فيعيشون غرباء في أرضهم، ويعاملون كمواطنين "إسرائيليين" من الدرجة الثالثة . وخلال الفترة من 1948 إلى 1963 تعرضت 531 قرية عربية للدمار الكامل لتصبح أثراً بعد عين، وأصبح التهجير، التعبير "الإسرائيلي" المفضل للتطهير العرقي، سياسة رسمية للقيادة "الإسرائيلية" مع فرق في الأسلوب . تعرضت أراضي الفلسطينيين، ولا تزال، للمصادرة لبناء مستوطنات جديدة أصبحت تنتشر الآن في كل مكان في الأراضي المحتلة . ما يتعرض له الفلسطينيون منذ عقود هو عملية إذلال ونزع للصفة الإنسانية قولاً وفعلاً من قبل دولة عنصرية تتحدى بممارساتها سائر القيم التي جاءت بها الأديان، وهي صفة تنسحب أيضاً على حاميتها الكبرى، أمريكا . وعندما أطلق 30 طالباً من مدرسة يشيفا النار على فتاة عربية لا يزيد عمرها على 13 عاماً وأردوها قتيلة في شوارع إحدى البلدات العربية، وقف الحاخام اسحق غينسبيرغ أمام المحكمة "الإسرائيلية" مبرراً الجريمة بالقول: "ينبغي الاعتراف بأنه لا يمكن المساواة بين دم اليهود ودم غير اليهود . . على شعب "إسرائيل" النهوض والجهر بحقيقة أن اليهودي وغير اليهودي لا يمكن أن يتساويا لا قدر الله، وعليه فإن أي محاكمة تقوم على مبدأ المساواة بين الاثنين إنما هو تزييف للعدالة" . وصل المشروع الصهيوني و"إسرائيل" الكبرى إلى طريق مسدود . بل أصبح الصهاينة الأمريكيون مع الصهاينة "الإسرائيليين" يدركون أن الديمغرافيا (وقنبلة الأرحام الفلسطينية) هي أقوى من قنابلهم الذرية والهيدروجينية، بل أقوى من توأمهم: أمريكا . فهذا رئيس الوزراء وعضو قيادي سابق في الليكود، والرئيس السابق لحزب كاديما إيهود أولمرت، يتحدث عن "أشياء مثيرة قد لا تكون مثيرة في حد ذاتها إلا أنها تصبح كذلك عندما تخرج من فم شخص مثل أولمرت" . ومما جاء على لسان أولمرت القول: "علينا التوصل لاتفاقية مع الفلسطينيين، جوهرها الانسحاب الفعلي من معظم الأراضي إن لم يكن منها كلها . سنحتفظ بنسبة من هذه الأراضي إلا أننا سنضطر لإعطاء الفلسطينيين نسبة مماثلة، ومن دون ذلك لن يكون هناك سلام" . " . . . بما فيها القدس حيث أتصور حلولاً خاصة لوضع جبل الهيكل والأماكن التاريخية المقدسة . . إن كل من يعتقد بإمكانية الاحتفاظ بكامل المدينة يجد نفسه أمام خيار وحيد هو وضع أكثر من 270 ألف عربي خلف السياج ضمن السيادة "الإسرائيلية" وهذا خيار غير قابل للتطبيق" . "كنت أول من يرغب في بسط السيادة "الإسرائيلية" على كامل المدينة . وأعترف بأنني لم أكن مستعداً وقتها للتمعن في أعماق الواقع" . "فيما يتعلق بسوريا . . ما نحتاجه أولاً هو قرار سياسي . . أتساءل ما إذا كان يوجد شخص واحد في "إسرائيل" يعتقد بإمكانية عقد سلام مع سوريا من دون التخلي عن مرتفعات الجولان في نهاية المطاف"؟ "الهدف هو محاولة الاتفاق ولأول مرة، على حدود دقيقة بيننا وبين الفلسطينيين . . حدود يعترف بها العالم أجمع" . "دعونا نفترض أن حرباً إقليمية ستنشب في العام أو العامين القادمين وسندخل في مواجهة عسكرية مع سوريا، ليس لدي شك في أننا سنلحق بهم هزيمة منكرة، ولكن ماذا بعد انتصارنا؟ لم الدخول في حرب مع السوريين في وقت نستطيع فيه تحقيق ما يمكن تحقيقه من دون دفع ثمن باهظ؟" ما وجه العظمة في شخص مثل مناحيم بيغن؟ أرسل دايان إلى المغرب للقاء تهامي (مبعوث السادات)، حتى قبل التقائه بالرئيس المصري، وهناك أبلغ دايان تهامي على لسان بيغن باستعداد "إسرائيل" الانسحاب من سيناء" . "ارييل شارون، بيبي نتنياهو . إيهود باراك ورابين بوركت ذكراه، كل من هؤلاء أقدم على خطوة قادتنا في الاتجاه الصحيح إلا أنه في لحظة ما، وعلى مفترق طرق، وعندما تحين ساعة اتخاذ القرار، لا يجد القرار طريقه إلى النور" . قبل فتره جمعتني جلسة نقاش مع عدد من الأشخاص ضمن دائرة صنع القرار في "إسرائيل"، وفي ختام الجلسة قلت لهم: بعد أن استمعت لكم، أدركت لماذا لم نتوصل لسلام مع الفلسطينيين والسوريين خلال السنوات الأربعين الماضية" . "قد نستطيع الإقدام على خطوة تاريخية في علاقاتنا مع الفلسطينيين، وكذلك الأمر بالنسبة لعلاقاتنا مع السوريين . وفي كلتا الحالتين نجد أنفسنا أمام القرار نفسه الذي رفضنا مواجهته بأعين مفتوحة على مدى أربعين عاماً" . "عندما تجلس على هذا الكرسي وتسأل نفسك: في أي اتجاه ينبغي علينا توجيه الجهود؟ هل تحقيق السلام هو الهدف، أم تعزيز قدراتنا العسكرية لنصبح أقوى وأقوى وأقوى لنكسب الحرب؟ نملك من القوة ما يكفي لمواجهة أي مخاطر . وعلينا محاولة البحث عن طريق لاستخدام هذه القوة في سبيل التوصل للسلام لا لكسب الحروب فحسب" . "تشكل إيران قوة عظيمة . والافتراض القائل إن عجز دول مثل أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا وألمانيا عن معالجة الملف الإيراني بينما يستطيع "الإسرائيليون" ذلك، ومن أننا سنفعل هذا الأمر، ليس سوى مثال على افتقار البعض لسائر درجات الوعي والإدراك" . "عندما أقرأ التصريحات الصادرة عن جنرالات "إسرائيل" السابقين أتساءل في نفسي: كيف حصل أن هؤلاء لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً؟" . لم يكن أولمرت وحده هو الذي توصل إلى النتيجة أن حلم "إسرائيل" الكبرى قد انتهى، ولكن حتى المحافظين الجدد (من اليهود) قد وصلوا إلى القناعة نفسها بأن هذا الحلم قد وصل إلى طريق مسدود، خصوصاً بعد ثماني سنوات من سماحهم ل "إسرائيل" - ذلك الكلب المسعور - بالانقضاض على الفلسطينيين . أصبحت المسألة الديمغرافية - والتي يسميها الديمغرافيون اليهود بقنبلة الأرحام - ضاغطة، وثماني سنوات من القهر لم تزد الشعب الفلسطيني إلاّ صمودا . البعض اقترح حل الدولتين، والآخر حل الثلاث دول كما اقترحه جون بولتون، لكن المهم أن الكل وجد أن إيجاد الدولة الفلسطينية على الطريقة "الإسرائيلية" قد أصبح ملحّاً . كتب جون بولتون: "دعنا نعترف بأن بناء سلطة وطنية على أنقاض منظمة التحرير الفلسطينية قد فشل، وأن مشروع الدولتين لم ينطلق . لقد قتلت حماس ذلك المشروع، ولربما الأرض المقدسة لا تتسع إلى بعثين . لذلك علينا البحث عن مشروع الدول الثلاث بحيث تعاد غزة إلى مصر، والضفة الغربية إلى الأردن بطريقة أو أخرى . وحيث إن مصر والأردن مرتبطتان بمعاهدتي سلام مع "إسرائيل"، فإن إعادة غزة والضفة لتلك الدولتين يضمن السلام بطريقة أوتوماتيكية . أما قضية وضع قوات أو مراقبين دوليين فلن يكون كافياً، فما نحتاجه هو دول تملك أجهزة أمنية . وهذا الاقتراح لن يكون محبباً من مصر والأردن واللتين أرادتا أن تنفضا يديهما من المسألة الفلسطينية . لذلك فيجب عدم تحميلهما هذه المسؤولية وحدهما، بل مساندة جامعة الدول العربية والغرب بالطريقة التي تمت فيها مساندة النظامين المصري والأردني من الولايات المتحدة لسنوات عديدة . وعلى "إسرائيل" قبول الحكم الإداري للأردن ومصر إلا إذا أرادت "إسرائيل" نفسها أن تقوم بهذه المهمة، وهو أمر لا تريده "إسرائيل" . لقد أوضحنا أنه لن يكون ممكناً لأي رجل سياسة أمريكي الوصول إلى مناصب رفيعة من دون مؤازرة أصحاب النظام والسلطة الحقيقيين وبارونات المال العالميين، وقوى الظل للمؤسسة الحاكمة سواء كان الدعم مالياً أو سياسياً أو "تسويقكم" للوصول إلى تلك المناصب . وبذلك يمكن الاستنتاج أن الصعود الصاروخي لباراك أوباما من قوة الظل هذه ستكون نتائجه أن يحاول فرض حل الدولتين أو الثلاث دول، وبهذا يصبح أوباما رجل سلام، كما كان الحال مع أرييل شارون، والذي سماه جورج بوش رجل سلام بعد مجزرة مخيم جنين . وكما بينا، فإن الإدارات الأمريكية ما هي إلاّ إدارة تنفيذية للمضي في تطبيق سياسات وأجندات المؤسسات صاحبة السلطة الحقيقية في الظل، والتي تقف من وراء ستار تُعلق كل أوساخ أجندتها على الرؤساء وإداراتهم، لاعنة أوساخهم مع الجماهير، داعية الجماهير للصبر حتى يأتي الرئيس القادم . . . وهكذا . كان المشروع الصهيوني، وكما شرحنا سابقاً، قد تحرك وبثبات باتجاه أقصى اليمين من الخط الاشتراكي في البداية، مروراً بحزب العمل الذي أطلق على جابوتنسكي لقب: "فلاديمير هتلر"، وأتهم أنصاره المتحمسون بالفاشية، ومنها إلى مرحلة الإرهاب الموجه للفلسطينيين والبريطانيين لاحقاً، وصولاً إلى تتويج المشروع بإقامة الدولة عام ،1948 غير أن الدولة الجديدة أريد لها أن تكون بلا حدود، فقد تركت لعملية التوسع كلما سنحت الفرصة، الأمر الذي لا يخفيه المؤرخون والقادة السياسيون في "إسرائيل" . ثم كانت حرب 1967 ليحل دعاة التوسع والتشدد تجاه العرب محل المعتدلين "نسبياً" . الواقع أن سياسة التوسع كانت موجودة ومنذ البداية، ولكن كأجندة خفية لتتحول إلى سر مفتوح مع قفز تلامذة وأنصار جابوتنسكي إلى السلطة عام 1977 . كان جابوتنسكي من المنادين بسياسة القوة مع الفلسطينيين بهدف خلق "جدار حديدي" نفسي يصعب تخطيه في المستقبل، لكن هذه السياسة فشلت في تحقيق أي شيء في أوساط الجماهير بشكل عام . حتى أطفال فلسطين انتفضوا ضد الاحتلال بسلاحهم الوحيد المتاح: الحجارة . لاشك في أن الجدار الحديدي الذي أقامه جابوتنسكي وأتباعه اختفى إلى الأبد مع الصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام عبر العالم للطفل الفلسطيني ابن السابعة، وهو يقفز على دبابة ميركافا "إسرائيلية" وبيده المرفوعة حجر . حل جدار فصل آخر أقامه شارون محل جدار جابوتنسكي، ولكن على أرض الواقع على طول الضفة الغربية، وحتى هذا الجدار سينهار يوماً ما حتى في حالة تطبيق رؤية أولمرت الخاصة بالعودة لحدود 1967 مع بعض التعديلات . قاد حزب العمل حروب "إسرائيل" الكبرى كافة، وكان رابين هو من أصدر تعليماته بتكسير عظام الفلسطينيين في الانتفاضة الأولى . قاد وزيرا حرب "إسرائيل" من حزب العمل حربي لبنان وغزة . . . ويقولون إن هذا الحزب هو حزب الاعتدال كأن في "إسرائيل" والصهيونية شيء اسمه اعتدال . سيأتي إلى الحكم في "إسرائيل" الأكثر حماقة وتطرفاً، وستحاول الولايات المتحدة وأصدقاؤها العرب المعتدلون أن "يحموا هؤلاء من حماقاتهم . . . وهذا ما سيحاوله أوباما على كل حال . . ." قامت الصهيونية على الكذب وتم بناؤها فوق رمال متحركة . الآن بدأ "الإسرائيليون" أنفسهم بكشف هذا الزيف، في الوقت الذي بدأ بعض العرب بالهرولة للاعتراف بهذا الكيان . وطبقاً للمؤرخ "الإسرائيلي" شلومو ساند الأستاذ في جامعة تل أبيب مؤلف كتاب: متى وكيف وجد الشعب اليهودي، فإن قبيلة الملكة المحاربة وغيرها من القبائل المحلية ممن اعتنقت اليهودية هي المصدر الرئيسي الذي انبثق عنه اليهود الإسبان . ويشكل البحث في أصول يهود شمال إفريقيا ومن أنهم قبائل محلية اعتنقت اليهودية ولا علاقة لها باليهود القدامى الذين نفوا من القدس، أحد المواضيع الرئيسية موضع البحث في كتاب ساند الجديد . ويحاول المؤرخ "الإسرائيلي" في كتابه المذكور البرهنة على أن اليهود الذين يعيشون حالياً في "إسرائيل" وأماكن أخرى في العالم ليسوا من نسل اليهود القدماء ممن سكنوا مملكة يهودا خلال فترة الهيكلين الأول والثاني . ويرى المؤرخ شلومو ساند أن اليهود حالياً ينتمون لشعوب عدة اعتنقت اليهودية على مدار التاريخ، وفي زوايا عدة من حوض المتوسط والمناطق المتاخمة . ليس يهود شمال إفريقيا وحدهم الذين تحولوا من الوثنية لليهودية، فهناك أيضاً يهود اليمن (بقايا مملكة حميَر في شبه الجزيرة العربية ممن اعتنقوا اليهودية في القرن الرابع)، واليهود الإشكناز في أوروبا الشرقية (لاجئون من مملكة الخازار ممن تحولوا لليهودية في القرن الثامن) . وطبقاً للمؤرخ "الإسرائيلي" فإن وصف اليهود على أنهم: "أمة معزولة منفية هائمة على وجهها . . عبر البحار والقارات، وصلت نهاية الأرض قبل أن تنقلب على عقبيها، بفضل جهود الصهيونية، عائدة بموجات جماعية إلى وطنهم اليتيم، ليس سوى أسطورة وطنية" . "وكغيرها من الحركات القومية الأخرى في أوروبا، ممن تخيلت ماضياً ذهبياً رائعاً اخترعت خلاله ماضياً بطولياً في محاولة لإقناع نفسها بأنها كانت موجودة منذ بزوغ التاريخ (الإغريق أو القبائل التيوتونية على سبيل المثال) . . وهذا ما حصل مع تفتح أول براعم القومية اليهودية باتجاه الضوء الساطع المنبعث من مملكة داوود الأسطورية" . يعتقد البرفيسور ساند بأن الشتات اليهودي ليس سوى اختراع . وفي هذه الحالة يطرح التساؤل التالي نفسه: "ما دامت قصة الشتات مختلقة، فهل يكون الفلسطينيون هم سلالة سكان مملكة يهودا؟"، يجيب ساند على ذلك بالقول: "ما من سلالة تحافظ على نقائها على مدى آلاف السنين، ومع ذلك فإن احتمالات أن يكون الفلسطينيون هم سلالة الشعب اليهودي القديم هي أقوى بكثير من احتمال أن أكون أنا أو أنت من هذه السلالة" . كتب آفي شليم: "إن مطالعة سجلات "إسرائيل" خلال العقود الأربعة الماضية توصل إلى النتيجة بأن "إسرائيل" هي دولة مارقة . . . الدولة المارقة تُعرف بأنها تلك الدولة التي تخالف القانون الدولي بشكل دائم، وتمتلك أسلحة دمار شامل، وتمارس الإرهاب أي ممارسة العنف ضد المدنيين للوصول لأهداف سياسية . إن هذه الشروط تنطبق على "إسرائيل" تماماً وعليها الاعتراف بذلك، ف"إسرائيل" لا تنشد التعايش السلمي مع جيرانها لكنها تبغي الهيمنة العسكرية، وإنها تقوم بإعادة أخطائها في الماضي ولكن بشكل مأساوي في كل مرة" . فبعدما لم تعجبها انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الحرة، والتي نجحت فيها حماس، قامت "إسرائيل" بسجن عدد من أعضاء هذا المجلس المنتخب، وكذلك عدد من أعضاء حماس الوزراء في حكومة السلطة الفلسطينية . عن ذلك كتبت الجريدة اليومية "الإسرائيلية" "هآرتس" "ليس هذا فعلاً خاطئاً فقط، باعتقال الناس للمساومة عليهم كرهائن هو عمل العصابات وليس الدول" . في وصفه لأخلاقيات الرأسمالية التي تشكل العمود الفقري لإمبراطورية أمريكا العالمية، كتب البروفيسور ليستر ثارو من جامعة MIT يقول: "تعد الجريمة، طبقاً لأشد التعبيرات قسوة في أخلاقيات الرأسمالية، مجرد نشاط اقتصادي آخر، مع فرق واحد هو أن من يتم إلقاء القبض عليه بالجرم المشهود يدفع ثمناً باهظاً هو السجن . ليس هناك من شيء محرم فعله، كما أنه لا وجود للواجبات أو الحقوق إذ لا وجود هناك سوى لتعاملات السوق" . كثيراً ما قادت ممارسات الرأسمالية الأنغلو-ساكسونية ولا تزال إلى: الحروب والمذابح الجماعية والجرائم الفعلية، على حد تعبير البروفيسور ثارو، ليس في فلسطين فقط بل حتى داخل أمريكا . وهنا تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 40 مليون أمريكي مصنفون تحت خانة الفقراء في بلد يعد أغنى بلاد العالم على الإطلاق . وبالمقارنة تصل نسبة الفقر بين فئة الأطفال الأمريكيين إلى 4 .22% بينما لا تتعدى 1 .5% في الدنمارك، و4 .4% في بلجيكا، و 3 .4 % في بريطانيا، و6 .2% في السويد . كما أن 1% فقط من الأمريكيين يملكون أكثر مما يملكه 80% من بني وطنهم . ويتوصل ثارو إلى نتيجة مؤداها: "فرغت الساحة العالمية للرأسمالية بعد أن تخلصت من منافسيها الرئيسيين في القرنين التاسع عشر والعشرين . . الفاشية والاشتراكية والشيوعية التي اختفت عن الساحة . . ومع ذلك وحتى مع تراجع المنافسة إلى كتب التاريخ، فإن هناك ما يعمل على زعزعة أسس الرأسمالية من الأعماق" . في عددها الصادر بتاريخ 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2005 نشرت مجلة هارفارد كريمسون نص محاضرة لأحد أشهر المؤرخين في العالم، إيريك هوبسباون جاء فيها: "قد تشيع الإمبراطورية الأمريكية فعلياً: الفوضى والبربرية وانعدام النظام أكثر مما تنشر السلام والنظام" . ويعتبر هوبسباون أن مشروع الإمبراطورية الأمريكية سينتهي إلى الفشل الحتمي . ويضيف: "هل ستتعلم الولايات المتحدة دروس الإمبراطورية البريطانية، أم ستعمد إلى محاولة الحفاظ على دور عالمي آخذ في التآكل، من خلال الاعتماد على قوة سياسية وعسكرية فاشلة لا تفي بالمتطلبات والأهداف الحالية التي تدعي الحكومة الأمريكية أنها مصممة لأجلها؟" . سيكون من المثير للاهتمام الانتباه لحقيقة لجوء هوبسباون لتعبير "البربرية" في وصفه للنظام الحالي الذي يحكم الولايات المتحدة، وهو وصف سبقه إليه أحد رموز حزب "الشعب الأمريكي" عام ،1890 وقتها قال الناشط الحزبي المذكور: "أي دولة تضع حقوق الملكية فوق حقوق الإنسان إنما تمارس البربرية" . نحن وآخرون كثر مع تقدير هوبسباون القائل إن اللعبة قد وصلت نهايتها فيما يتعلق بالولايات المتحدة . . وكذلك المشروع الصهيوني، فنحن نعيش عصر الانهيارات المفاجئة، سواء بالنسبة للشركات الأمر الذي بدا جلياً في الانهيار الاقتصادي عام 2008 أو ما آلت إليه الإمبراطورية السوفييتية، وكذلك فإن "إسرائيل" بالرغم من تعاظم قوتها العسكرية والنووية لم تربح حرباً واحدة بعد حرب ،1967 وإن قوة ردعها قد عفا عليها الزمن حينما فشلت في تحقيق أهدافها في جنوب لبنان ضد حزب الله، بل وعندما فشلت في تحقيق أهدافها ضد المقاومة في غزة، والتي كانت تعاني ظلم الحصار من القريب قبل الغريب . بعد ستين عاماً من تأسيس "إسرائيل" وامتلاكها مئات القنابل الذرية والهيدروجينية والصواريخ والأقمار الصناعية، بل وامتلاكها القرار السياسي لأقوى دولة في العالم، تساءلت كبريات المجلات الأمريكية على غلافها (التايم 19/01/2009) "هل تستطيع "إسرائيل" استمرارية العيش؟" فهل يا ترى هذا هو الوقت المناسب لأن يهرول بعضنا مستجدياً ما أسموه ظلماً بالسلام، تُعهد فيه أعمال الكناسة والحراسة إلى دولة فلسطينية منقوصة السيادة، وتقوم بأعمال المقاول الأمني لحماية دولة بدأ أصحابها ومواطنوها يشكّون في إمكانية ديمومتها أو شرعيتها؟ ليست المشكلة بالنسبة للفلسطينيين والعرب هي "إسرائيل"، أمريكا الصغرى، والتي تم وصفها من المفكرين والقادة "الإسرائيليين" أنفسهم بأوصاف منها الدولة المارقة، أو دولة الإرهاب، أو الكلب المسعور، المشكلة هي في الولايات المتحدة - "إسرائيل" الكبرى . كتب إيهود سبرينزاك، الأستاذ في الجامعة العبرية يقول: "لم تحقق الدولة اليهودية استقلالها عام ،1948 بصورة طبيعية كنتيجة حتمية لمرحلة من الكفاح ضد الاستعمار البريطاني في فلسطين . بل كانت ولا تزال إحدى أكثر الدول "غير الطبيعية" في تاريخ الدول حديثة العهد، والتي ظهر معظمها على خارطة العالم إبأن الحقبة الاستعمارية"، وأضاف: "لم تكن "إسرائيل" ما بعد 1948 بتلك الدولة الديمقراطية المثالية، حيث بقيت السلطة فيها وعلى مدار سنوات طويلة في يد حزب واحد . . فقد بقيت الأقلية العربية، التي حصلت لاحقاً على حق التصويت وانتخاب ممثليها في الكنيست، ولسنوات طويلة خاضعة للحكم العسكري الصارم . . ." . لو وافقنا على استنتاج أستاذ الجامعة العبرية هذا بأن "إسرائيل" هي مولود غير طبيعي، فالمرء يمكن أن يستنتج أن مثل هذه المخلوقات نتيجتها هي الموت غير الطبيعي . تبين دراسة أعدّتها وكالة المخابرات المركزية تم تسريبها إلى أعضاء مختارين من الكونغرس عدم إمكانية "إسرائيل" من المحافظة على الوضع الراهن، إذ بينت تلك الدراسة أن في فترة أقصاها عشرون سنة سيكون لدى "إسرائيل" خيارات فيما لو نفذت حل الدولتين الآن، فهي إما أن تُصبح دولة ثنائية الجنسية سيصبح اليهود فيها أقليّة، أو أن تصبح دولة فصل عنصري لن يقبل العالم بها، وهي في كلتا الحالتين ستصل بالمشروع الصهيوني إلى نهايته . * د . عبدالحي يحيى زلوم: أنهى دراسته الجامعية الأولى والعليا في الولايات المتحدة في الهندسة والإدارة . أسهم في الأعمال التأسيسية للعديد من شركات أوبك الوطنية . ألّف ثمانية كتب بالعربية وخمسة بالإنجليزية، وترجمت كتبه إلى لغات اخرى ومنها الألمانية وكانت موضوعاتها عن النفط والاقتصاد السياسي . المصدر: الخليج، الشارقة، 2010/11/13,12,11,9,8,6 http://www.alzaytouna.net/permalink/5257.html | |
| مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2+subscribe@googlegroups.com - أرشيف الرسائل |
| | |
| مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2+subscribe@googlegroups.com - أرشيف الرسائل |
--
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية.
يمكن مراسلة د. عبد العزيز قاسم على البريد الإلكتروني
azizkasem1400@gmail.com
(الردود على رسائل المجموعة قد لا تصل)
للاشتراك في هذه المجموعة، أرسل رسالة إلكترونية إلى العنوان التالي ثم قم بالرد على رسالة التأكيد
azizkasem2+subscribe@googlegroups.com
لإلغاء الاشتراك أرسل رسالة إلكترونية إلى العنوان التالي ثم قم بالرد على رسالة التأكيد
azizkasem2+unsubscribe@googlegroups.com
لزيارة أرشيف هذه المجموعة إذهب إلى
https://groups.google.com/group/azizkasem2/topics?hl=ar
لزيارة أرشيف المجموعة الأولى إذهب إلى
http://groups.google.com/group/azizkasem/topics?hl=ar
---
لقد تلقيت هذه الرسالة لأنك مشترك في المجموعة "مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية (2)" من مجموعات Google.
لإلغاء اشتراكك في هذه المجموعة وإيقاف تلقي رسائل إلكترونية منها، أرسِل رسالة إلكترونية إلى azizkasem2+unsubscribe@googlegroups.com.
للمزيد من الخيارات، انتقل إلى https://groups.google.com/groups/opt_out.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق