ما زرت بلدا عربيا إلا وأصابتني الدهشةأمام ظاهرة عجيبة ازداد طغيانها بعد الربيع العربيلاجتياحها الفضاء العام في ردة فعل مرضية بلغت ذروة التشنج والوقاحة عند النخبة التي كانت في خدمة النظام السابق مباشرة أو على الأقل في خدمة ثقافة المهمة التحضيرية الموروثة عن الاستعمار. إنهاظاهرة يدمن عليهاالكثير من أدعياء الحداثة والتقدمية من اليساريين والليبراليين والقوميين التابعين لهما.
فلكأنهم جميعا يشعرون بأن الثورة تهدد امتيازاتهم المادية الحقيقية وتميزهم المعنوي الوهمي فيصبون جام غضبهم على النخب التي لا تخجل من أن تعلن عن ولائها للحضارة الإسلامية ربما بسبب تفضيل الشعب بعد الثورة لهذا الخيار على غيره من الخيارات الحضارية. والشعب نفسه الذي لطالما تغنوا به تخلصوا نهائيا من التقية التي كانت تخفي موقفهم الحقيقي منه فأصبح من المراذيل لكأنه من "أنتوشابل" الهند. وتتألف سمات هذه المواقف المتشنجة في أمرين متناقضين:
الأمر الأول هومواصلة المتاجرة بقضايا الشعوب وحقوقها مع احتقار ثقافتها وإخفاء ذلك باتهام الإسلاميين بالمتاجرة بالدين وبالعمالة للإمبريالية.
والأمر الثاني هوالدفاع عن حقهم في حكم الشعب رغم أنفه لزعمهم حيازة العلم والإبداعوالتنوير وتبرير ذلك بوسم الإسلاميين بالجهل والعقم والظلامية.
والمتاجرة بقضايا الشعوب وحقوقها وبالحريات ومقتضياتها قد فضحتها الموجة الثانية من ثورة الربيع العربي بعد تعرى طبعهم الفاشي الذي لم تعد هذه الشعارات كافيه للتغطية عليه. ذلك أن اصطفافهم مع الانقلاب وجرائمه وقبولهم بدور الطراطير القادمة على ظهر الدبابة والعنف ضد الشعب لم يعودا خافيين لأنهم باتوا يباهون بهما ويعلنون بأن طموحهم الوحيد هو التصفية الجسدية لكل إسلامي لمجرد كونه إسلاميا حتى لو كان أدرى منهم بالثقافة الغربية ما يجعلهم لا يكتفون بالحرب عليه بل وكذلك على مرجعيته الإسلامية ذاتها باعتبارها المرجعية التي تحول دونهم وحكم الشعب بمرجعتيهم التابعةرغم أنفه.
لكن الدعوى الثانية حول علمهم وإبداعهم وتنويرهم بقيت مع ذلك ودون حياء ولا خجل خبزهم اليوم والمضمون الأساسي لدعايتهم وتبرير مواقفهم من زعم الشعب غير مؤهل لحكم نفسه بنفسه وزعم النخب الإسلامية جاهلة وعاجزة عن الحياة السوية فضلا عن حكم الأسوياء بحيث إن مكانهم الوحيد هو السجن والنفي والقتل والتشريد.ولما كانت أوهام الحداثيين المزيقين لم تغادر هذه الأساطير التي عاشوا عليها إلا أن أخرجتهم الثورة من نومهم العميق فإن حركة الشعوب الثورية ونبذه لهم أصبحت كابوسا يقض مضجعهم.
لذلك فقد بات من اليسير فهم علل جنونهم الذي جن. بدأوا يقفون على أطلال ما أوصلوا إليه البلاد التي تسلموها من الاستعمار والتي كان من المفروض أن تصبح أفضل مما كانت عليه قدرة على تحقيق شروط التحرر والكرامة فإذا هي غارقة في سلاسل التبعية إلى فروة الرأس حتى صارت البلاد عزلاء من كل أدوات التقدم والتحرر.ولعل أفضل الأدلة المباشرة حتى نقصر الكلام على الأدلة الأقرب صلة بهذه النخب فلا نحملهم ثمراتها غير المباشرة أعني التبعية الاقتصادية والسياسية لعل أفضلها هو حال التعليم والبحث العلمي.
فكل ملاحظ موضوعي يعلم أنهم هم المسيطرون عليهما منذ الاستقلال على الأقل وأنهما بلغا في مصر كما في تونسغاية التدني والانحطاط. ولننطلق من خبرين حول التعليم والبحث العلمي في تونس لا يمكن لأي وطني ألا يقشعر بدنه حزنا لما يتأكد منهما:
فجامعات تونس بعدالألف السابعة في ترتيب الجامعات في دول العالم.
وطلبة ثانوياتها في الرتبة الخامسة بعد الستين في تقويم بيزا لمستويات الطلبة.
ومع ذلك فما تزال النخب العلمانية والحداثية الزائفة النخب التي أفسدت التربية بكل مستوياتها تقديما للوظيفة الإيديولوجية وما يلازمها من تحلل خلقي وتهلهل معرفي على الوظيفة التربوية تدعي الريادة وتحتمي بأنظمة البيادة عديمة السيادة. لذلك فهذه النخب أكثر إجراما في حق الشعب والأمة من الأنظمة التي كانوا في خدمتها وهي أكثر فسادا خلقيا وسياسيا سواء بالنظر إلى آليات الترقي في الرتب الجامعية أو بالنظر إلى الخدمات المنتظرة من الخريجين الذين يتخرجون وطابهم أفرغ من وطاب المشرفين على تكوينهم إذا ما استثنينا ما يتفوقون عليهم به من صلف ووقاحة للتناسب الطردي بين البذاءة والرداءة:
فالبحث العلمي والتعليم الجامعي ليسا في الحقيقة إلا إقطاعيات لمافيات سلطوية تغطي على مهمتها التحضيرية المستبدة والفاسدة خدمةللمافية السياسية والاقتصادية المحلية التابعة للمافية السياسية والاقتصادية الاستعمارية بهاتين الدعويين. لم يعد البحث العلمي طلوبا لا لذاته ولا لدوره في التنمية لأنه تحول إلى تكوين دعاة للحداثة وللتهديم الذاتي لمنابع المناعة الذاتية ولمصادر القيام المستقل.
والتعليم بدرجتيه الأخريين لم يبق تعليما بل صار مهمة تحضيرية هدفها الأول والأخير هو تربية الأجيال على أخلاق التبعية وإفقادها كل ثقة في ذاتها وكل طموح في تحقيق شروط الكرامة والحرية. وتكوين الأجيال خلقيا ومعرفيا وذوقيا ووطنيا وإنسانيا لم تعد مهام التربية بل هي أصحبت تهدف إلى الانحلال وتخريج العاطلين بالقوة لانعدام شروط التكوين المنتج والمبدع. حاجة الجماعة إلى تعديل ساعتهم
وفي الحقيقة فإني كلما استعمت إلى خطاب ممثليهم في تونس أو في مصر ذكورا كانوا أو خاصة إناثا إلا وكان أول إحساس يبادرني هو الازدراء بصلفهم وانعدام أخلاقهم مع شيء من الرثاء لحالهم رأفة بعقولهم وسذاجتهم. فهم ضحايا ثقافة موروثة عن عملاء العهد الاستعماري ثقافة جعلتهم يغطون في نوم عميق فيغفلون عن القطار الذي فاتهم لأنهم سجناء ماض دق درس. فكل أوهامهم عن الشعب عامة وعن النخبة ذات المرجعية الإسلامية خاصة له كانت قابلة بنحو للتصديق لو كان الكلام دائراعنهم في بدايات القرن الماضي وحتى خلال عنفوان الأنظمة المحلية التي ورثت سلطان الاستعمار في الوطن.
فحينها أمكن لليبراليين العرب-ونخبنا الحداثية الحالية ليست منهم وهي دونهم كفاءة وخبرة-ومن كان في خدمتهم من عملاء الاستعمار أن يفتكوا قيادة الأمة من نخبها الأصيلة لعلتين. فأولا كانت هذه النخب الأصلية خريجة المدارس التقليدية دون سواها ومن ثم فهي قد كانت فاقدة للأدوات المعرفية الضرورية لبناء دولا حديثة سياسة واقتصادا وتربية وثقافة ومناعة روحية. وهي ثانا نخب انشغلت بمقاومة الاستعمار ورفض ثقافته الحديثة خوفا من الاغتراب وتفرغا لمقاومة حضوره المادي إلى أن أخرجوا حضوره المباشر بالجهاد الفعلي وبالمقاطعة.
وذانك هما علتا غياب هذه النخب في الدول التي تأسست بعد خروج الاستعمار إذ هي ساهما هذا الخيارات في الحد من دورها في حياة الجماعة فضلا عن كون الاستعمار قد اصطفى عملاءه لإنابتهم توطيداللاستعمار غير المباشر. وما النخب المتباكيةاليوم عن حظها لرفض الشعب لها ولاختياره لإدارة شأنه غيرهم ممن يتصورونهم دونهم كفاءة وخبرة إلى من ورثة هذه النخب التي حكمت البلاد بالفساد والاستبداد. لكن هذا الماضي مضى: قضت عليه الثورة واستعدت النخب القريبة من إرادة الشعب ومن ثقافته لتستعيد دورها في قيادة الأمة بالإصلاح بدلا من الفساد وبالديموقراطية بدلا من الاستبداد.
لم يعد الإسلاميون مقصورا تكوينهم على الثقافة التقليدية فحسب بل إن جل المنتسبين إلى الثقافة الحديثة في تعينها العلمي والتقني منهم في حين أن الآخرين لم يبق لهم إلا إيديولوجيا الحداثة والثرثرة الحداثية الزايفة المقصورة على المهمة التحضيرية بعقلية القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. لذلك فهم يريدون حداثة استهلاكية تابعة في حين أن الإسلاميين يسعون إلى تحقيق شروط المناعة والحرية والكرامة شروطها الفعلية بحداثة إنتاجية مستقلة كما حدث عند كل الشعوب التي كان شروعها في النهوض معاصرا لشروعنا الذي قضت عليه هذه النخب الطفيلية التي تصورت الحداثة عيشا تطفليا على موائد الغرب.
لذلك فأملنا أن تعدل الثورة وما ترتب عليهاعقارب ساعتهم. أملنا أن تزول موجه الغضب وأن يصحوا من نومهم العميق على أوهام العلم والإبداع والخبرة التي يتوهمون أنفسهم فرسانها.فدعواهم أنهم يمثلون نخبة ذات باع في العلم والإبداع كما يزعمون ودعايتهم بأن النخب الإسلامية أو من انحاز إلى ثقاف الشعب دون أن يكون ذا مرجعية إسلامية عقديا لتحريرها من التبعية شرطا في تقدمها في العلم والإبداع اللذين هما أداتا تحقيقحقوق الشعب في الحرية والكرامة أعني هدفي الربيع العربي قبله وبعده إلا دليلا على جهلهم وعجزهم عن الإبداع. النماذج المرضية من تونس ومصر
ولعل نخب تونس ومصر التربوية والثقافية النخب التي من هذا الجنس قد كسبت قصب السبق في تمثيل التردي الفكري والأكاديمي والإبداعي وخاصة بعد أن بلغ بالبعض منهم الصلف إلى حد التعبير بغضب وتشنج مرضيين عن احتقار الشعب الذي نبذ حماتهم من النخب السياسية والاقتصادية المستبدة والفاسدة. فنخب تونس ومصر تمثلهذا الداء في المغرب والمشرق العربيين بما اصطبغت به دعايتهم التحديثية من تبعية مشينة أعني تبعية التشبهالبليد بقشور الثقافة الفرنسية والإنجليزية دون استيعاب حقيقي.
والغريب أنهم لا يقلدون منهم إلا ما تجاوزوه وتخلو عنه. إذ لو كانوا مستوعبين للثقافة الغربية لفهموا علل تخلص الفكر الغربي من ممضوغاتهم الحالية فتجاوزوا فكرة الوطنية القطرية الضيقة وعوضوها ببناء الإمبراطورية الأوربية طلبا لشروط المناعة المادية والقدرة التنافسية في حين أنهم تدنو إلى التشبث بدول أكبرها وأغناها لا تساوي قدرتها على الدفاع الذاتي بمنطق العصر شركة صغري في أي بلد أوروبي مهما كان صغيرا.
تصنيف النخب الدعية
نأتي الآن إلى تقديم أمثلة من هذه النخب العامية التي تغط في نوم أوهامها. فالنخب التي تمثل ظاهرة المتاجرة بقضايا الشعب وحقوقه وبادعاء العلم والإبداع تنقسم إلى صنفين. وسنكتفي بأمثلة من تونس نضربها للدلالة على تفاهتها مع إشارات إلى نظرائها في مصر يدركها المطلعون على الساحة المصرية. والساحتان التونسية والمصرية تمثلان بطغيان ظاهرة أدعياء الحداثة والتنوير والتقدمية مجمل الوطن العربي بمغربه ومشرقه:
الصنف الأول هم أدعياء العلم
إنه صنف الجامعيين من أقسام الإنسانيات خاصة. فأقسام العلوم يدرك أصحابها جيدا طبيعة الرهان الحداثي وعسر النصر فيه دون شروط مادية وسياسية لا يمكن أن تتحقق للشعوب التابعة اقتصاديا وسياسيا. فالبحث العلمي فيها ليس في متناول الدويلات التي قزمت حتى لا يكون في مقدروها القيام بأدنى درجاته بمقتضى كلفته التي هي من بين أسباب بناء الوحدة الأوروبية. ذلك ما لا يفهمه أدعياء الحداثة والتقدمية والتنوير في قشور الإنسانيات خاصة إذا كانوا لا يزورون المكتبات إلا غبا إذ لو كانوا من مرتاديها لعلموا أنها ليست في متناول أقزام الدول التي اقتطعها الاستعمار من جسد الأمة ليجعلها تابعة.
فميزانية تونس غير كافية لتكوين مكتبة من جنس مكتبة الكنجرس. وميزانية البحث العلمي في أي بلد متوسط من أوروبا التي شعرت نخبها بالحاجة إلى التحرر من خرافات نخبنا لبناء كيان قادر على العيش في الغاب الدولي تعدل ميزانيات دول المغرب مجتمعة. لكن حداثيينا لا يعنيهم ذلك بل هم غارقون في إيديولوجيا تحقيق ما عجز عنه الاستعمار أعني تفتيت المكان لمنع المناعة المادية بالجغرافيا الاستعمارية لدار الإسلام بتقطيع الزمان بالتاريخ الاستعماري لحضارة الإسلامحتى يقضوا على الحصانة الروحية.
لذلك هم يعادون الثورة التي يعتبرونها خائنة لما يسمونه الوطنية لأن مرجعيتها التي فضلها الشعب بالانتخاب الحر في تونس وفي مصر تهدف إلى التحرر من الجغرافيا التي خطها الاستعمار لتقسيم الأمة فيحاولون إحياء إيديولوجيات انفصالية حتى على مستوى التاريخ والتراث فتصبح مصر فرعونية وتونس قرطاجنية ولبنان فينيقية وتجرب فتن لم ينجح فيها حتى الاستعمار بنعرة القوميات العربية والبربرية والكردية إلخ..
وهم يخوفون الاستعمار من حكم الإسلاميين بسبب مرجعيتهم هذه. حتى إن أكبر حجة استعملها جحش مصر صاحب الانقلاب وهولوكوست رابعة والنهضة كان التنبيه إلى سعي مرسي بطل الثورة إلى استعادة طموحات الخلافة بتحقيق أدوات التحرر من التبعية وشروط الكرامة والحرية لكونها بداية استعادة مصر لدورها الذي كان لها منذ سقوط الخلافة في منتصف القرن السابع ويحاول المغتربون نهميشها بجعلها مجرد دويلة تابعة لإسرائيل ما يفهمنا أماني سفيرة أمريكا في لحظة سكر إذ صرحت فيها بما كان يعده السيسي رئيس عملاء الغرب: مصر أرض يهودية وستستردها إسرائيل سنة 2014.
لذلك فهم لم يبق لهم من شغل إلا موضوعات الثرثرة الثورية والتحديثية والنويريةإلخ.. والتآمر على مناعة الأمة المادية وحصانتها الروحية وتلك هي أهم وظيفة لشعارات المهمة التحضيرية التي يباهون بكونهم روادها. لكن الجد جد فأسقطت الثورة أقنعتهم وخاصة في موجتها الثانية التي سجل فيها شعب مصر اكبر ملحمة ثورية في التاريخ الحديث. فشعاراتهم تحولت إلى حرب ضروس علنية بعد أن كانت خفية لأن الثورة أولا بينت أن غايتها المصالحة السوية بين قيم الأصالة المتحررة من الانحطاط الذاتي وقيم الحداثة المتحررة من الانحطاط المستورد ولأن من انتخبهم الشعب لحكمه بعدها ثانيا هم حملة هذا الجمع السوي بين الإحياء والتجديد.
عندئذ تبين للجميع أنهم يخلطون بين كتابة البحوث العلمية وتحرير التقارير للداخلية أو التقارير التي يعدونها في مشاركاتهم العضروتية في ندوات المصالح الاستعلامية الأجنبية(=أعني بأجر ما يأكلون ويشربون في الخارج أو في الداخل ) لدى جمعيات التمويل الدولي المشبوه التي تنخر كيان الثقافة العربية الإسلامية باستضافتها للخارج لهم أو بتمويل ندواتهم في الداخل حتى تجندهم للحرب على شعوبهم. لذلك فلا بحث علمي ولا هم يحزنون:
بدليل أن الجامعات التونسية (ومثلها المصرية) لا ذكر لها في أي تصنيف للجامعات في العالم حتى المتخلف التي تكون فيها الجامعات مؤسسات لمحو الأمية أكثر مما هي للبحث العلمي فضلا عن جامعات العالم المتقدم في البحث العلمي والإبداع.
وبدليل عجيب أن جل من يشارك منهم في أعمال ندواتها يصبح مختصا في الكلام على الإسلام والحضارة العربية بمعنى التجريح فيهما حتى يحصل على شهادة تدل على تقدمه بمقدار تشويهه لهما وعقوقه لذاته التي يتصور نفسه مدافعا عنها باحتقار تاريخ أمته.
وإذن فهذا الصنف الأول الذي يغلب عليه دعوى العلم ليس هو إلا صنف الخدم لمبتذلات الإيديولوجيا على المستوى الخارجي إيديولوجيا التحضير المستبد الذي يسعى إليه موظفوهم بإطلاق صفة المثقفين التقدميين عليهم تحديدا لمنازلهم فيها بقدر خدمتهم في الحرب على شروط تحقيق أهداف الإصلاح والنهوض اللذين شرعت الأمة في تحقيقها من قرنين واللذين أصبحا هدفين للثورة التي لم تعد كلام نخب بل حركات شعوب.
لذلك فمنتوجهم الوحيد هو من سقط متاع الاستشراق التابع لمصالح الاستعلامات لأن ما ينتجوه يبقى دون منتج كبار المستشرقين الذين خدم البعض منهم المعرفة ولم يقتصر على كتابة التقارير للإدارات الاستعمارية. لذلك فما من مستشرق جدي حي يسمعهم إلا تراه رافعا كتفيه استهزاء بتخريفهم حول أدلة حداثتهم التي لا تتجاوز التحقير من حضارتهم لا لأنهم تجاوزوها بعلمهم بل لأنه لم يفهموا منها شي: فكل الخائضين في أدنى معارف الحضارة الإسلامية منهم تجده لا يصل إلى كعب أضعف المختصين فيه في ذلك العصر ناهيك عن الكبار من جنس الرياضيين أو الفلاسفة أو المتكلمين أو الفقهاء أو حتى دراويش المتصوفة. الصنف الثاني هم أدعياء الإبداع
أما الصنف الثاني فهو صنف تلاميذ الصنف الأول ممن فشلوا في الدراسة فغزوا الرتبة الأدنى من وظيفة المخبرين المحليين لأن أساتذتهم يقومون بالوظيفة دوليا فكانوا مخبرين لدى الاستعلام مباشرة أو بتوسط الإعلام لاستكمال تلك المهمة الأولى خدمة للنظام العميل الذي يوظفهم في مراقبة حركات المجتمع الصامد حماية لقيم حضارته ومنطلقا للتحديث المتحرر من التبعية أمام كل فنون الغزو والاستتباع. لذلك فلا مبدعات ولا هم يحزنون:
بدليل أن أقصى ما يحصلون عليه من اعتراف دولي هو بعض العينات منكتاباتهم التي لا تعكس إلا تردي الذوق في كلا البلدين تونس ومصر حتى إنها صارت وخاصة في المجال السينمائي والتلفزي مجرد دعاية للانحطاط الحضاري والخلقي بدعوى الواقعية الفنية.
وبدليل عجيب يتمثل في عدم تجاوز ما يسمونه إبداعا ما اعتبره هوميروس دليلا عل العقم الإبداعي كما يذكر أرسطو في شعره: مجرد حكاية لأحوالهم النفسيه. وإذن فهم أجهل الناس بسر كل إبداع أعني الخلق المركحن دراميا لما يعبر عنهمن قيم جمالية وجلاليةحتى يصبح هو بدورهكيانا فعليا ذا تأثير في الوعي الإنساني بأسراره التي تضاهيإن لم تفق تاثيرالوجود الفعليللجمال والجلال اللذين يتجاوز بهما التاريخ الطبيعة.
وهذا الصنف الثاني الذي يغلب عليه دعوى الإبداع هو صنف الخدم لنفس الإيديولوجيا ولكن في المستوى المحلي الأدنى أعني خدمة الأحزاب ووزارات الداخلية. وهم يستمدون هذا الانتساب الوهمي إلى مجال الإبداع بفضل ما يضفيه أولئك عليهم من خطاب نقدي سخيف دون إبداع هؤلاء إدراكا لمفهوم الإبداع وشروطه. ولا غرابة في ذلك فالنقدة يستمدون الانتساب إلى مجال العلم النقدي مما يضفيه عليهم سادتهم من وهم العلم سادتهم الذين يبادلونهم الزيارات على نفقة الدولة بمنطق ضيفني وأضيفك. وقد حضرت أحيانا ندوات في النقد اجتمع فيها زعماء الرهطين من تونس ومصر فعجبت لأخلاق ذكورهم وإناثهم أخلاقهم التي لا تتجاوز الشوق إلى ما دون السرة ولثقافتهم التي لا تتجاوز مبتذلات ما ترويه الصحافة الغربية عن الفلسفة الحديثة.
لذلك فما يسمى بالإبداع عند الصنف الثاني لا يعد إبداعا إلا عند الصنف الأول أعني ما يزكيه أساتذتهم لأنهم هم مستشارو توزيع الدولة للعناوين والجوائز بعمولات قد يكون لها حصة منها. لكن حقيقته هي أنه سقط متاع من جنس التقارير الذاتية على الأحوال النفسية لأصحابها بأساليب لا تختلف كثيرا عن تقارير خدماتهم الأمنية. ومن ثم فكلهم عامة بالمعنى الاصطلاحي للكلمة أي إنهم لا يفقهون بحق ما يدعون فيه علما أو إبداعا إذا قسنا مستوى الانتساب إلى الخاصة بما يقبل المقارنة مع الإنتاج المعرفي أو الإبداعي العالمي في المجالات التي يدعونها. إنهم بصنفيهم مجرد دعاة للإيديولوجيا الحداثية السطحية مثلهم مثل الدعاة لقشور الدين بل هم مروجون للموضات الفكرية والإبداعية من جنس عارضات الأزياء بسطحية "المتعلطين" أي المتطفلين على علوم واختصاصات وعلى فنون وإبداعات لم يشموا حتى رائحة ما يقرب منها. وتلك هي علة المنزلة التي لجامعاتنا ولإبداعاتنا:
فالأولون يتصورون التمكن من العلم ممكنا بمجرد ذكر عناوين الكتب والمجلات والأعلام من دون بحث وإنتاج يثبت بمعايير الجماعة العلمية في تلك الاختصاصات حقهم في الكلام عليها. لذلك تراهم أمام أسيادهم الذين يوظفونهم ويضفون عليهم هالة لتمرير دجلهم مطأطأي الرأس كالعبيد ولا يتجاوز دورهم حمل المحافظ والانتظار في المطارات لاستقبالهم وخدمتهم.
والثانون يتصور التمكن من الإبداع ممكنا بمجرد التقليد البليد للأدب الواقعي الذي لا يتجاوز الترجمة الذاتية عن أحوال نفوس أصحابها المريضة دون فهم لطبيعة الإبداع بما هو توسيع للمسافة الواصلة بين ما يسمونه واقعا يخلدون إليه وما لا يخطر على بالهم مما يحتقرونه لكون المثل عندهم أوهام بالقياس إلى الحياة البهيمية التي تمسك بهم مخلدين إلى الأرض وآكلين أكل الأنعام..
خصائص الصنفين اللذين قتلا العلم والإبداع
وبالتعيين فإن الصنف الأول هو صنف المتطفلين على اختصاصين يتصدران دعاوى الحداثة والتقدمية والعلم والإبداع أو بصورة أدق يتصدرون التوظيف السياسي لهذه الدعاوى بتشويه المعارضين لإيديولوجية النظام الذي يحتمون به ويدافعون عنه فيتهمونهم بالرجعية والجهل والعقم الإبداعي. وإذا زدنا الأمر تدقيقا فإن المتهم في هذه الدعاية هو دائما الإسلاميون وخاصة منهم من كان من ذوي الثقافة العربية الإسلامية أعني في تونس من خريجي الزيتونة بالمقابل مع خريجي المدرسة الفرنسية العربية مثل الصادقية أو المدرسة الفرنسية الخالصة مثل معهد كارنو أو معهد المرسى.
والاكتفاء بهذه المقابلة علته أن الجماعة لم ينتبهوا أن كلامهم على الإسلاميين بحصرهم في المنتسبين إلى الثقافة التقليدية. فهذا الاقتصار يبين بحق أن الجماعة يغطون في نوم عميق. فهم لم يدركوا بعد أن الإسلاميين قد تداركوا الأمر بحيث إنهم اليوم أكثر منهم تمكنا من الثقافة الغربية فضلا عن تمكنهم من الثقافة الإسلامية. وينبغي هنا أن نشكر لهم خدمة جليلة أدوها لتحقيق هذا التحول. فمسعاهم بالتآمر عليهم مع الأنظمة التي يخدمونها هو الذي مكنهم بما ترتب عليه من إقصاء من التحرر من لوثة التبعية لإيديولوجيا الأنظمة السياسية التابعة.
فكان ذلك علة في ذهاب الإسلامين المباشر خلال عدة عقود من الإقصاء في الوطن وفي المهجر إلى التكوين الحديث عامة وإلى مجال العلوم الحديثة طبيعية كانت أو إنسانية بصورة جعلت الحداثة الفاعلة ترحل من صف الحداثيين لتقيم في صف الإسلاميين. وقد يكون ذلك حصل بمنطق مكره أخاك لا بطل لكن ذلك جعل الإسلاميين يجمعون بين القرب من ثقافة الشعب الأصيلة وحيازة ثقافة النخبة الحديثة. وما لم ينتبه الحداثيون إلى هذه الظاهرة التاريخية التي عكست الاتجاه منذ بداية حرب التحرير من الاستعمار عامة ومنذ حصول الانقلابات العسكرية في البلاد العربية في النصف الثاني من القرن الماضي خاصة.
ولكن حتى قبل بلوغ هذا التحول إلى ثمرته التي ما تزال في طور النضوج الأولي فإنه يمكن القول بالاعتماد على المقابلة الغافلة عما طرأ من بداية هذه المدة إلى الآن فإن تونس- إذا أخذنا العلم أو الإبداع بمعناهما الحقيقي واستبعدنا مجرد الدعوى وتزكية النفس- ليس لها من يمكن أن تباهي به بين الشعوب عربية كانت أو أجنبية من خريجي المدارس الفرنسية العربية أو الفرنسية الخالصة.
فالأسماء الوحيدة في العلم التقليدي وفي الإبداع بمعناه في آدابنا تنتسب إلى التكوين الزيتوني. ولست بحاجة إلى ذكر هذه الأسماء. أما العلم الحديث والآداب الحديثة فليس لتونس فيها من يستحق الذكر. وما أظن مصر بأفضل حال حجم مصر لا يكفي فيه جائزتان عالميتنا في بالمقارنة مع ما حصل عليه يهود العالم الذين يمثلون أقل من سدس الشعب المصري.
وحتى من يزعمونه أكبر مبدع من أبناء الصادقية قصدت صاحب السد فإني أعجب من وصفه بهذه الصفة. فما في أعماله لا يتجاوز محاكيات سطحية إما للأدب الوجودي أو للغة المقامات بل إن ما فيه فنون الحبك الروائي أو من فنون التحليل الروحي يبقى أدنى مما فيهما بما لا يقاس. فالمحاكاة الخالية من الروح الإبداعية تمارين الإنشاء ولا تسمى إبداعا. وهبنا سلمنا بأن السند في هذا الحكم العام ليس كافيا لإقناع القارئ إذ قد يحتج محتج ضد هذا الحكم بالقول إن الثقافة التقليدية لها العمق الكافي لتكوين كبار العلماء والمبدعين في حين أن الثقافة الحديثة ما تزال طرية العود. ولعل كبراءها في العلم والإبداع لم يعتق التاريخ مبدعاتهم بما يكفي ليبرز أثرها.
النسخة المزيفة من الإبداع والعلم
لكن هذه الحجة على وجاهتها لا تقنع إذ شتان بين الإبداع المصنوع لهذا الخريج الصادقي والإبداع المطبوع لطه حسين خريج الأزهر رغم ما يتهمه البعض من غلو في دعاواه التحديثة لكنها كانت على أساس من أصالة التكوين الأول. ذلك أن الأمر لا يتعلق بموقف من الحداثة بإطلاق بل الموقف هنا يخص الحداثة الزائفة التي يمثلها عملاء أنظمة الاستبداد والفساد ممن يتصورون التحديث مهمة حضارية بالمعنى الاستعماري وليس حيوية ذاتية لثقافة أصيلة.
لذلك فلنكتف من هذين الصنفين القائلين بالتحديث المستبد بصنف الخطاب العلمي المزعوم لأنهم أكثرهما ضجيجا وفحيحا في الفضائيات وفي الصحافة وخاصة بعد أن بين الشعب حجم مؤجريهم في الوعي الجمعي ما أثار حنقهم على الشعب الذي بات يوصف بالجهل والحمق لأن حداثتهم لم تنطل عليه.
فلنأخذهم هم أنفسهم ولنر إن كان في ما يدعونه من علم يستحق كل هذا الضجيج. فأدعياء العلم في الإنسانيات تمثلهم جماعتان عجيبتان هي جماعة الحضارة وجماعة النقد الأدبي. ويجمع بينهما صلف لا مثيل له أساسه الموقف النقدي المزعوم من التراث الأهلي غير المستوعب بفهم سطحي للتراث الأجنبي الذي هم فيه أقل قدرة على الاستيعاب. إنهم جماعة لم أر لعملها مثيلا في ما هو معلوم من العلوم الإنسانية لأنه أقرب إلى عمل الصحافيين الثقافيين والمبشرين بأفكار لم يستوعبوها. فتكوينهم في المجالات التي يدعون الكلام عليها هو بدرجة من الهزال لا يدل عليه إلا تضخم صلفهم المنافي تمام المنافاة لأخلاق العلماء.
وأذكر أني تناولت الحديث مرات مع زميلين لهم في مصر كلاهما من زعماء النقد الأدبي المزعوم حديثا الذي لا يتجاوز مضغ الموضات دون فهم ولا استيعاب فكتبت مرة في عمل أحدهما حول تراتب المنازل بين الشعر والرواية وناقشت الثاني في مفهوم الشعر. وصادف أن باهى الثاني بقدراته الفلسفية في لقاء جمعنا واقفين. ولم أكن حينها داريا بعلة خيلائه. ولما اكتشفتها علمت أن مصر وتونس تعانيان من نفس الأمراض: فلعل العلة هي ترجماته الفلسفية لنص ألماني ليس في متناول العامة لكنه باشره بمعرفة عامية للغتين الإنجليزية والعربية.
ولعل أكثر الأمثلة بيانا لهذه الظاهرة هي علم شيخهم وصلفه إذا تكلم في غياب العالمين بضحالته وجل توابعه في تونس ولعل نظيره هو القمني في مصر ذلك الدعي الذي اشترى دكتوراه بمائتي دولار. والغريب أن النموذجين اختارا مجالا لتدجيلهم وعبثهم فاقد العقل ثقافة الأمة الروحية. ولو كان في البلاد العربية سلطة علمية حقيقية مستقلة عن السلطان السياسي الداخلي والخارجي لما كان لهؤلاء ذكر بين الجامعيين والعلماء.
فأقصى ما كان يمكن أن يصلوا إليه هو أن يكونوا أبواق دعاية سطحية لما يسمى بالتحديث المستبد الذي يخلط بين الحداثة وقشورها. وهو لا يستمد منزلته في الراي العام المخدوع إلا من التزيين المتبادل بين النخبتين الفاسدتين والمستبدتين نخبتين عميلتين لمشروع سياسي وثقافي:
فالنخبة السياسية عميلة لمشروع حماتها السياسي حماتها الذين فرضوها على الشعوب التي ولله الحمد ثارت مطالبة بالحرية والكرامية أعني بشرطهما الذي هو التخلص من التبعية السياسية والحضارية.
والنخبة الثقافية عميلة لمشروع حماة حماتها الحضاري إذ هي تعمل لدى النخبة السياسية العميلة لبث هذه الشبائه السخيفة من الثقافة الذليلة باعتبارهم مرتزقة قلم حقيرة تمضغ كليشهات الثقافة الميتة.
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق