أليس هذا خذلاناً نخافُ منه؟!
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, وبعد؛
قال صلى الله عليه وسلم: (ما من امرئ يخذل امرءاً مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته ، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته) رواه أحمد وأبو داود.
يُعتذر أولا لكل الأفاضل ولكل الكرماء الذين ساهموا في التبرعات لإخواننا في سوريا وغيرها وجادوا بالكثير من أموالهم جزاهم الله خير الجزاء؛ ولكـــن عندما ننظر لتبرعات الكثير منا مقارنةً بما ننفقه في حياتنا العامة على احتياجات ليست ضرورية, وأيضا ما ندخره من أموالنا نُحس بالتقصير الكبير -الذي نخشى من إثمه- في حق إخواننا المنكوبين في شتى بلاد العالم .
فإذا قارنا بين الوضع المأساوي الرهيب المؤلم جدا لإخواننا في سوريا الذي يفطر القلوب ويفتت الأكباد وبين أوضاعنا ونفقاتنا لخفنا حقاً من أن نأثم فيما يحصل منا:
- فنحن ننفق في أحيانٍ كثيرة عشرات وربما مئات الالاف على شراء سيارات جديدة ربما لم يكن ضروريا شراؤها أو ربما كان يمكن أن يشترى ما هو أرخص ثمناً, بينما تكفي500 ريال فقط لكي تعيل أسرةً كاملةً من المشردين في داخل سوريا لقرابة الشهر.
- وتنفق في أحيانٍ كثيرة عشرات الآلاف من الأموال على السفر للخارج (عدا الحرج الشرعي في السفر لكثيرٍ من هذه البلاد) بينما يموت أطفال إخواننا من آثار الجوع والتشرد في سوريا وغيرها. في العام الماضي نشرت جريدة الرياض في ملحقها الاقتصادي أن التكلفة التي دفعت في السفر لبلدان الخليج في إجازة الأضحى بلغت 3 مليار ريال, بينما كم بحت أصوات عدد من قادة الجهاد السوريين وهم يقولون عبارة رددوها كثيرا بأنه لو أتى دعم مقداره 300 مليون دولار دفعة واحدة للمجاهدين لكان كافياً بإذن الله لتحقيق النصر على الجيش الأسدي المجرم.
- كم تبذر من الأموال في تجديد فرش وأثاث لبيوتنا بينما ملايين من إخواننا السوريين المشردين يسكنون في مخيمات تنقصها الكثير من الأساسيات, وبعضهم سكنوا في خيام بالية, بل اضطر بعضهم للسكن حتى في بيوت الماشية والأنعام.
- كم نبذر من المئات والالاف من الأموال في ترفيه وطعام زائد يعتبر إسرافا وتبذيرا بينما إخواننا في سوريا يعيش بعضهم شهورا لا يأكلون إلا خبزا وما شابهه, أو يجوعون إلى حد أن انتشرت فتاوى جواز أكل لحوم القطط والكلاب والحمير!.
- كم تبذر من الأموال في زواجاتنا وحفلاتنا التي لو اقتصدنا فيها لكفى ما يوفر منها كفالة عشرات وربما مئات الأسر المشردة على مدى شهورٍ كاملة.
- كم تبذر من الأموال على ملابس باذخة بينما إخواننا المشردون في سوريا يكادون يموتون من البرد القارص في الشتاء.
- كم نبذر من أموالنا وننفقها في ما لا ضرورة له بينما المئات من إخواننا في سوريا يموتون نتيجة نقص المواد والأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية, وكم مات الكثير من مرضى الحالات الحرجة الذين كان يمكن إنقاذ بعضهم لو توفرت مواد طبية بسيطة فضلا عن الأجهزة المتطورة اللازمة.
- وكـــــم حصلت من مجازر لإخواننا بأطفالهم ونسائهم كان من أسبابها نفاد الذخيرة من المجاهدين التي يحمون بها قراهم ومدنهم, بينما أموالنا مكدسة في البنوك وغيرها بدون حاجة ضرورية.
- ولو قارنا لوجدنا الكثير من الصور والمفارقات العجيبة المؤلمة المقلقة المخيفة حقاً وصدقاَ.
ولو تفكرنا بحقٍّ لتكَّدر علينا حتى التمتع بالضروريات وحال إخواننا وأمتنا هكذا.
ومن الأحاديث الأخرى التي تخيف في هذا الجانب الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه). فقد نستلهم -مع سهولة التواصل في عصرنا الحديث- أن أخانا في سوريا وغيرها أصبح كأنه جارٌ قريبٌ منا تصلنا أخباره في نفس اليوم ويمكن أيضا أن يوصل له الدعم في نفس اليوم أو وقت قريب من ذلك.
فالله الله يا كل مسلم في أرجاء المعمورة في أن نشــد العزم أكثر وأكثر في دعم إخواننا المحتاجين والمجاهدين في سوريا وفي شتى بقاع العالم, وأن نتخفـــف من الدنيا ونبذل الكثير عسى أن نُعذر إلى ربنا, خاصة أن أوضاعهم تكاد تفوق الوصف من الشدة واللأواء التي يعيشونها. نسأل الله أن يغفر لنا وأن يبصِّرنا بمسؤولياتنا الكبيرة الضخمة تجاه هذا الواقع الأليم. قال تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوَ أخباركم) "محمد:31".
وفي الختام لا أنسى أن أُذكِّرَ بالواجب الآخر المهم جداً تجاه مآسي إخواننا -الذي كثيراً ما يُنسى- وهو بذلنا الجهود في العودة والدعوة والصلاح والإصلاح, لينصلح حال الأمة في كل الأمور ويعود عزها ومجدها فيُحمَى وقتئذٍ إخواننا مباشرةً ويؤدب المعتدون, بل حينئذٍ لن يجرؤ الأعداء كما يجرؤون الآن.
يا أمـة الحـق إن الجُــرح متســـعٌ--- فهل تُرى من نزيف الجرح نعتبرُ؟*
د مهدي قاضي/
مشرف موقع عودة ودعوة 9-12-1434هـ
----------------------
* د أحمد عثمان التويجري.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق